منتدى طلاب جامعة ورقلة


السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته
مرحبا بك اخي الزائر في منتديات
جامعة قاصدي مرباح
-ورقلة-


مرحبا بكم في منتداكم منتدى طلاب جامعة ورقلة
 
الرئيسيةبحـثالتسجيلدخول

شاطر | 
 

 فلسفة نيتشة" العدمية كإنحطاط والعدمية كأفق"

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
souhielakhiralla
مشرفة عامة
مشرفة عامة


عدد المساهمات : 390
تاريخ التسجيل : 16/08/2012

مُساهمةموضوع: فلسفة نيتشة" العدمية كإنحطاط والعدمية كأفق"   الجمعة يونيو 26, 2015 11:17 pm

السلام عليكم

 للأمانة منقول من شبكة التواصل الإجتماعي من مجموعة (طلاب الحكمة ) المغربي التي انشط فيها


فلسفة نيتشه 
" العدمية كانحطاط والعدمية كأفق"

لا نبالغ إن قلنا بأن العدمية تعتبر بمثابة أكبر وأعظم حدث عرفه الغرب الحديث على الإطلاق. هي الحدث الأكبر في الغرب، لأنها تطبع الثقافة الغربية في مختلف مظاهرها بطابعها، ولأنها من جهةأخرى تمثل ضرورة تاريخية وسيكولوجية من حيث هي النتيجة المنطقية لسيادة وهيمنة القيم والمثل العليا للحضارة الغربية. كما تعتبر العدمية بمثابة أعظم حدث عرفه الغرب الحديث، لأن ظهورها سيشكل إيذانا بحدوث انعطاف جذري في التاريخ الغربي، وفي صورة الحضارة الغربية، بحيث لن يعود الغرب مركز الكون ومهد الحضارة الإنسانية ومحورها.
المظهر الأول للعدمية يمكن نعته بالمظهر السلبي، من حيث هو علامة على مرض خطير ألم بالحضارة الغربية يلقبه نيتشه تارة "بالانحطاط" ، وتارة أخرى "بالانحلال". أما المظهر الثاني للعدمية فهو يمثل مظهرها الإيجابي، وهو الذي ينعته نيتشه بالعدمية الانتشائية . وهي تمثل اليوم –في نظر بعض الفلاسفة المعاصرين- الأفق الجديد للتفكير في الغرب المعاصر.
وهذه المقالة هي محاولة لتحليل المظهرين المتناقضين للعدمية، مع الوقوف بشكل خاص عند المظهر الثاني، -بما هو الفضاء الجديد للفكر الفلسفي الما بعد-حداثي وذلك بهدف إبراز قيمته ودلالته بالنسبة للفكر الفلسفي المعاصر.
1 – العدمية بما هي انحطاط الغرب الحديث:
يلخص نيتشه نقائص عصره في عبارة واحدة هي "إنكار الحياة". على أن تفهم الحياة هنا بمعناها الواسع، من حيث هي المبدأ الكامن وراء الحضارة والمعرفة والسلوك، وهي أصل كل القيم الفكرية والأخلاقية والسياسية والعقدية. وتجد هذه الصيغة تعبيرها في هيمنة "الروح الإنكارية" على الحضارة الغربية، وسيادة "مبدأ تبخيس الحياة والوجود"؛ حيث يصبح السلب هو المظهر الأساسي للوجود، والنفي أو الإنكار هو المظهر الأساسي للإرادة؛ فيصبح النموذج الارتكاسي Le modèle réactif هو النموذج المهيمن على الحضارة والإنسان.
إن هذه السمة الإنكارية التي تسم الثقافة الغربية في مختلف مظاهرها، إن كانت تضرب بجذورها إلى مرحلة الانقلاب الذي أحدثه سقراط في الفلسفة، ثم إلى الديانتين اليهودية والمسيحية؛ فإنها مع ذلك تعثر على أساسها الراسخ والعميق في العصر الحديث، وفي طبيعة الحداثة الغربية. حيث أصبح نمط التفكير المهيمن آنذاك هو نمط القلق والتوتر الذي طال الفكر والهوية، وذلك بحكم الطابع المتسارع لعملية التحديث التي كانت تسم الحضارة برمتها بالطابع الانتقالي، في اتجاه صيرورة وعصر جديدين لم تكن عناصره الأساسية قد اكتملت بعد. بل إن بعضها لم تكن قد ظهرت بوادره أصلا. في ظل هذا المخاض لم يكن من المستغرب أن تظهر نماذج من الثقافة واتجاهات في التفكير سمتها الأساسية هي الهجانة والفوضى والشذوذ والتطرف والرفض وتعدد المقاصد وتداخلها: كالدعوة إلى العقلانية المطلقة، أو إلى الفردية المطلقة، أو إلى التطرف القومي…الخ. وهكذا فإن اضطراب التفكير وعدم استقراره كان هو الطابع المميز لعصر انتقل فيه العالم الغربي من نمط تقليدي راكد للحياة والتفكير والثقافة، إلى نمط آخر مغاير ساخن ودينامي لكن معالمه لم تتضح ولم تتحدد بعد. هذه الحركية المتسارعة للتغيير، والتي أخذت عاصفتها تخلخل الركائز الأساسية للحضارة الغربية؛ بدت للكثيرين وكأنها تحول كارثي باتجاه الأسوء، حيث بدا التاريخ وكأنه يتدهور، وأن القيم تنهار، وأن هذا العصر الجديد لن يكون سوى عصر التفاهة والسطحية والابتذال.
لكن العدمية التي يعاني منها الغرب كمرض وانحطاط، ليست منحصرة في المظاهر الفكرية أو الثقافة وحدها، بل هي ظاهرة شاملة تطال كافة المستويات، وتضرب بجذورها في أعماق المدنية الحديثة؛ كما تسم الحياة اليومية في مختلف مظاهرها وتجلياتها، حيث تلمس في طريقة الأكل والإحساس والذوق وأسلوب التفكير…الخ. بل إن صاحب "هكذا تكلم زرادشت" لا يتردد في اعتبارها الهواء الذي يستنشقه الأوروبي صباحا ومساء. فهو يقول "لقد أصبحنا الآن في أوروبا نخجل من الراحة (…) لم نعد نفكر إلا ونحن ننظر إلى الساعة في أيدينا، ونتناول وجبه الغذاء ونحن محدقون في نشرات البورصة (…) لم يعد لدينا وقت لأوقات الفراغ عموما. ذلك لأن حياة الجري وراء الربح، تدفع الإنسان إلى استنفاد كل طاقاته الذهنية، إذ أصبح شغله الشاغل هو السعي إلى المواربة والفوز بالسبق: إن الفضيلة الأساسية الآن هي إنجاز شيء ما في وقت أقل مما يتطلبه ذلك عند الغير".
يعرف نيتشه العدمية على النحو التالي: هناك تناقض بين العالم الذي يقدسه الغرب ويباركه، وبين العالم الذي يحيى فيه ويشكل واقعه الفعلي. وهذا التناقض يقتضي ترجيح أحد الموقفين: فإما التخلي عن العالم المفارق، وإما التخلي عن العالم المحايث الذي يشكل فضاء الذات الغربية؛ وليست العدمية في صورتها الأولى سوى اختيار الموقف الثاني. بيد أن هذا الاختيار ليس إراديا وإنما هواضطراري، إذ هو تعبير عن حالة سيكولوجية مرضية تتخذ ثلاثة مظاهر أساسية هي بمثابة أحكام مسبقة: المظهر الأول يتمثل في سعي الفرد إلى سحب الثقة من الصيرورة بل وإلى نفي وجودها. المظهر الثاني هو إدراك عدم خضوع الصيرورة لوحدة وكلية عليا أو لنظام صارم، وهذا ينتهي بالفرد إلى فقدان الثقة في الذات، وفي الكل الذي ينتمي إليه ويستمد منه قيمته. أما المظهر الثالث فهو نتيجة لتبخيس الذات والوجود وفي الوقت ذاته هو بديل عنهما: إنه اعتبار عالم الصيرورة والحياة بمثابة ظاهر ووهم، والاعتقاد في وجود عالم وراء الصيرورة هو العالم الحق. وهكذا فالعدمية –من الوجهة السيكولوجية- لا تعني العدم، أي لا تعني اللاوجود أو اللاقيمة أو حتى اللمعنى؛ بل هي "قيمة عدم". والحياة تأخذ هذه القيمة بمقدار ما يجري نفيها وتبخيسها. والحط من قيمة الحياة يفترض وجود أوهام، لأنه بالوهم يحدث التزييف ويتحقق الحط من القيمة؛ بالوهم تتم معارضة الحياة الواقعية بحياة وهمية، بعد أن يتم تقديمها في صورة ظاهر فتأخذ بمجملها قيمة عدم. يقول نيتشه: "إن الأخلاق والدين يستندان كلية على سيكولوجية الخطأ، ففي كل حالة تختلط العلة بالمعلول: إما أن الحقيقة تختلط مع مفعول ما نعتقد أنه حقيقي، وإما أن حالة من حالات الوعي تختلط مع الخاصية العلية لهاته الحالة"[9]. تعني العدمية إذن الطابع الإنكاري لإرادة الحياة وهيمنة صفة النفي على إرادة القوة. وهو نفس المعنى الذي يورده هيدغر حين يعتبر أن العدمية ليست رأيا مذهبا، وليست مجرد تاريخ ولا حتى بمثابة الخط الأساسي للتاريخ الغربي؛ وإنما هي منطق الحضارة الغربية وقانونها المتمثل في إرادة النفي الكامنة وراء تلك الحضارة.
تتشكل العدمية –حسب هيدغر- من عدة لحظات وتمر بعدة أطوار: تبتدئ بلحظة تأسيس القيم العليا، ثم لحظة تبخسيها وسخوفها، مرورا بلحظة الوجود الفارغ من المعنى والفاقد للقيمة، وانتهاء بالدعوة إلى تأسيس قيم جديدة تحل محل القيم البالية[11]. وهكذا يمكن التمييز في العدمية بين أربعة أطوار أو أشكال أو معان:
ـ العدمية السالبة أو النافية Le nihilisme négatif وهي تقوم على إنكار الحياة والوجود وتبخيس الجسد وكبت الغريزة وحجب الرغبة باسم قيم مطلقة ومثل عليا مفارقة، أي باسم تقويمات وتأويلات تقدم ذاتها باعتبارها التقويم أو التأويل الحق.
ـ العدمية الارتكاسية Le nihilisme réactif وهي بمثابة رد فعل ضد العالم المفارق، وتبخيس للقيم المقدسة والمثل العليا، حيث ينفي العدمي وجود المتعالي والخير المطلق والحقيقة المجردة، أي كل أشكال التعالي والمفارقة؛ كل هذا يتم باسم قيم "إنسانية مسرفة في إنسانيتها"، حيث يتم إحلال الأخلاق محل الدين، وقيم المردودية والفائدة والتقدم والديمقراطية والعقلانية محل القيم والمثل العليا الزهدية. لكن استبدال قيم إنسانية بقيم لاهوتية لا يعني تغيرا في جوهر العدمية، لأن الأمر يتعلق بنفس الحياة الارتكاسية وبنفس العبودية التي كانت قد انتصرت في ظل هيمنة القيم اللاهوتية، وهي تواصل استمرارها في ظل سيادة القيم الإنسانوية. بل لربما تكون هذه العدمية الثانية قد توغلت بنا خطوة إضافية في صحراء العدمية، فنحن نتوهم بأن رؤيتنا أصبحت أكثر وضوحا مما مضى، ومعرفتنا أكثر إحاطة وتملكا للواقع؛ لكننا في الحقيقة لا نحتضن إلا ما تركته القيم العليا البائدة من بقايا القوى الارتكاسية وإرادة العدم[12].
ـ العدمية السلبية Le nihilisme passif وهي تقوم على تبخيس الحياة والوجود مفارقا كان أم محايثا. تعثر هذه العدمية على صورتها الواضحة في الصيغة التالية: "العدمي هو المرء الذي حينما يكون أمام العالم كما هو موجود يحكم عليه بأنه لا ينبغي أن يوجد، وحينما يكون بصدد العالم كما ينبغي أن يكون يحكم عليه بأنه غير موجود". ويرى دولوز بأن هذا المعنى الثالث للعدمية لن يفهم إلا إذا أدركنا كيف يتفرع عن المعنيين السابقين ويفترضهما في الوقت ذاته. ففي المعنيين الأول والثاني يتم تبخيس الحياة باسم قيم عليا لاهوتية تارة ووضعية إنسانوية تارة أخرى. أما في المعنى الثالث فالإنسان يبقى وحيدا في الحياة، مع حياة جرى تبخيسها وهي تتواصل الآن في ظل عالم بدون هدف وخال من القيمة والمعنى. فمن قبل كان يتم معارضة الظاهر بالجوهر، والشر بالخير، وكان يجعل من الحياة ظاهرا ومن الجسد شرا؛ أما الآن فيجري نفي الجوهر، لكن مع الاحتفاظ بالظاهر. فالعدمي بهذا المعنى الأخير، هو ذلك الذي يرى أنه لا طائل ولا جدوى من أي شيء، والأفضل هو الخمود الهادئ، وعدم الإرادة أفضل من إرادة العدم. ويلقب نيتشه هذا العدمي "بالإنسان الأخير" le dernier homme، وهو الذي أدرك زيف العالم المفارق وتحرر من إكراهه، ولكنه عاجز عن إبداع قيم جديدة فيعيش في العدم المحض. فهو يفهم "أفول المتعالي" بأنه دعوة إلى التنصل من الأخلاق والواجب؛ وبأنه لم تعد هناك أي قاعدة تسير على هديها الحياة. إنه بعبارة واحدة يخلط بين اللاأخلاقية L’immoralité واللاأخلاق L’immoralisme . ويرى هيدغر بأنه خلال هذه العدمية يتم إنكار كل شيء بنفي مضاعف: العالم كما هو معطى، والعالم الما فوق حسي. لكن خلف هذا النفي يوجد التوكيد الوحيد لعالم صار واحدا، ويرفض كل ما كان مثمنا إلى حد الآن، ويتأهب لإقامة ما هو جديد انطلاقا من ذاته. أي خلف هذه العدمية السلبية توجد العدمية الفاعلة. مما يعني بأن العدمية لا يمكن تجاوزها وتصعيدها إلا عبر تحقيقها والدفع بها إلى حدودها القصوى.
2 – العدمية كأفق:
الشكل الرابع والأخير من العدمية يسميه نيتشه بالعدمية الفاعلة ، وهو الذي يعتبره إيجابيا وفاعلا ولا يتردد الإعلان عن انتمائه إليه. فهو يقول عن نفسه بأنه بمثابة أكبر عدمي في أوروبا، "الذي جرب العدمية وعاشها، وذاق مرارتها، وأحسها واستشعرها في داخله ومن حوله ومن تحته ومن فوقه". تحت مظهرها الإيجابي تؤكد هذه العدمية ليس ما هو معطى وسائد، وليس مثالا أو نموذجا مفارقا (المثل الأعلى الزهدي)؛ ولكن مبدأ حيويا لتقدير القيم؛ أي إرادة قوة بما هي معيار جديد للتقويم والتأويل، أي من حيث هي تيبولوجيا وسيميولوجيا تتعامل مع الخطابات والنصوص والظواهر، كشبكات من الاستعارة والمجاز، أو كنسيج من العلامات والأعراض أو كألاعيب من القوة والرغبة، أو كأفخاخ من الخدع والفجوات. ويرى نيتشه بأن العدمية حينما تدرك على هذا النحو تكون قد عثرت على ماهيتها التوكيدية، فيصبح لها مفعولا تطهيريا يمكنها من تصعيد المظاهر التي تجعلها غير مكتملة وهي ثلاثة مظاهر أساسية: الذحل Le ressentiment والوعي الشقي La conscience malheureuse والمثل الأعلى الزهدي L’idéal ascétique . بل إن العدمية حينما تصل إلى هذا المستوى من التحول والتصعيد يمكن أن تشكل فضاءا جديدا للتفكير، وإمكانا جديدا للحياة والوجود. وحسب هيدغر فإن تجربة نيتشه الفكرية ومشروعه الفلسفي برمته هو محاولة جادة لفهم العدمية بهدف تجاوزها من حيث هي أكبر حدث عرفه الغرب الحديث. وتجد هذه المحاولة صيغتها الناضجة والمكتملة في مقولة "أفول المتعالي وخسوف المعاني الكبرى المقدسة". وهي ليست صيغة إلحادية بالمفهوم الساذج للإلحاد، ولكنها تعبر عن تجربة تاريخية أساسية على ضوئها يجب أن تفهم الصيغة النيتشوية الأخرى التي يعلن فيها بأن فلسفته هي "أفلاطونية مقلوبة". وفي علاقة بهذا المظهر الانقلابي يجب فهم وتأويل النزعة العدمية في فلسفة نيتشه. ويمكن أن أستبق التحليل وأعلن بأن تلك النزعة موجهة أساسا ضد الميتافيزيقا، وهي دعوة لإزالة الأقنعة وكشف الأوهام La démystificationالتي تنطوي عليها قيمها ومثلها العليا. كما أنها تعتبر بديلا لمفهومها المركزي المتمثل في مفهوم الحقيقة، والذي لا يتردد نيتشه في اعتباره أرقى أشكال المثل الأعلى الزهدي.
إن العدمية بما هي "قلب للأفلاطونية" تتخذ مظهرين: الأول هو أنها تعبر عن الحديث الأكثر تشكيلا لتاريخ الغرب، حيث أصبحت القيم والمثل العليا للغرب مبخسة، ووضعت موضع تساؤل ونقد جذريين، فغدت كل الحقائق بمثابة أحكام قيمة متناقضة، والصيرورة التاريخية سلسلة من الكوارث والمفاجئات بدون هدف أو غاية. أما المظهر الثاني فيتمثل في أن "قلب الأفلاطونية" هو قلب لأولوية العالم ما فوق الحسي بما هو النموذج أو المثال الأنطولوجي المفضل. لا يعني هذا القلب جعل الأفلاطونية تسير على قدميها بعد أن كانت تسير على رأسها –على غرار القلب الذي أحدثته الماركسية بالنسبة للهيجلية- لأنه عند هذا المستوى من القلب يتم استبدال العوالم، أما الأمكنة والمواقع فتبقى ثابتة لم يطرأ عليها أدنى تغيير، فهناك أعلى وأسفل؛ وبدل أن يكون الأعلى هو المعقول يصير هو المحسوس، وبدل أن يكون الأسفل هو المحسوس يصير هو المعقول. وطالما يظل الثنائي الأعلى/الأسفل، الفوق/التحت، النموذج/النسخة، هو المحدد لبنية البناء الميتافيزيقي؛ فإن هذا البناء سيبقى محافظا على ماهيته. "قلب الأفلاطونية" إذن لن يؤدي إلى تصعيد العدمية وتجاوزها إلا إذا كان قلبا جنيالوجيا يسعى إلى استئصال الميتافيزيقا من جذورها؛ وهذا لن يتم إلا بعد تفكيك وحذف الأعلى والأسمى. ذلك لأن إلغاء "عالم الحق" يؤدي في المنظور الجنيالوجي إلى إلغاء "عالم الظاهر". يقول نيتشه: "العالم الحقيقي فكرة لم تعد صالحة لأي شيء، لم تعد تدعو إلى شيء، فكرة غير نافعة، غير مجدية، فكرة مرفوضة، لنبطلها (…) لقد أبطلنا العالم الحقيقي: فأي عالم تبقى؟ لعله الظاهر؟ كلا! لقد أبطلنا عالم المظاهر مع العالم الحقيقي في الوقت ذاته!". وهكذا تقتضي العدمية في مظهرها الإيجابي ومن خلال التأويل الجنيالوجي إرساء جغرافية جديدة للتفكير الفلسفي، فضاؤها ليس سماء المثل الأفلاطونية، وليس كهف الفلسفة ما قبل السقراطية، وإنما هو سطح المحايثة حيث يحدث الحدث وتتدفق الحياة. يقول نيتشه: "نحن نروم ونستهدف أرضا بكرا لا أحد وضع حدودها، إنه ما وراء كل الأراضي والخبايا المعروفة إلى حدود الآن، عالم يفيض بأشياء جميلة، غريبة، مرعبة وإشكالية؛ وهناك كثير من الأراضي البكر التي يجب اكتشافها. لقد حان الوقت أيها الفلاسفة فلترضعوا مدادكم". تعني العدمية –هنا داخل هذا الفضاء الجديد- استحالة تأويل الطابع الكلي والعام للوجود انطلاقا من القيم الأساسية الثلاث: الغاية والوحدة والحقيقة، لأن الطابع التعددي والكاووسي للوجود يكذب ادعاء خضوعه للنظام أو للوحدة أو لأي غاية أو مبدأ كيف ما كانت طبيعته. مما يعني أن الطابع المميز للوجود وبالتالي للحياة، ليس هو الصدق وإنما الكذب والوهم. وهذا هو معنى الشذرة السادسة من نص "أفول الأصنام" التي تحمل عنوان "كيف صار العالم الحق خرافة". وهكذا فالقيم العليا التي كان الغرب يستمد منها معناه وقيمته قد تعرضت للتبخيس والخسوف، فأخذ العالم الغربي يبدو في عريه التام خلوا من القيمة. هكذا تبدو العدمية الجذرية كأفول للتأويل الميتافيزيقي للعالم بما هو تأويل يجد مصدره في "ميتافيزيقا الذات" بما هي مركز للكون ومعيار لجميع أشيائه وحقائقه. كما تبدو أيضا كأفول للاعتقاد في الأخلاق، على اعتبار أنه خلف القيم العليا توجد تقويمات أخلاقية تقوم على اتهام الوجود وإدانته، وعلى سلب إرادة الحياة.
يقول نيتشه: "فخلف ما يبدو لنا كمنطق طبيعي للعقل الإنساني، والذي تتأسس عليه الخطابات الفلسفية، توجد دائما تقويمات، وهي مستمدة من متطلبات فيزيولوجية ضرورية من أجل الحفاظ على نمط محدد من الحياة"[31]. الميتافيزيقا أو الأخلاق –وهما مترادفان في لغة الجنيالوجيا- هي على المرض الحديث للغرب، والذي لا يتردد نيتشه في اعتبار الحداثة ذاتها عرضه الأكبر. ذلك لأن الميتافيزيقا بما هي سيميولوجيا وتيبولوجيا، ترتبط عبر مسالك مختلفة بالعنف المميز للمجتمع الحديث، ذلك العنف الذي هو أحد مفاعيل العقلانية الغربية ومثلها العليا الزهدية. تجاوز الميتافيزيقا أو العدمية لا يقتضي فحسب تشخيص أعراضها une symptomatologie وتفكيك آليات اشتغالها une déconstruction –وهي المهمة الأساسية التي اضطلع بها المشروع الجنيالوجي في جزئه الكبير وخاصة في نصوص "فيما وراء الخير والشر"، و"جنيالوجيا الأخلاق"، و"أفول الأصنام"- وإنما يتطلب أيضا إقامة علاقة نقدية خاصة مع المجتمع الحديث والحداثة الغربية بما هما تجسيد وتحقيق للميتافيزيقا. وإذا كانت جذور العنف الميتافيزيقي تكمن –في آخر التحليل- في العلاقة السلطوية التي يقيمها الأساس –كمبدأ وكأصل نهائي وأخير- مع ما يتأسس عليه، أو في العلاقة التي يقيمها العالم الحق مع العالم الظاهر، أو في علاقة الهيمنة التي تقيمها الذات مع الموضوع؛ فإن تجاوز الميتافيزيقا لا يتم بالبحث عن أساس آخر جديد انطلاقا منه يتم إقامة بناء جديد، بل يتعلق الأمر بالتخلي بصفة نهائية عن هذا المنطق التأسيسي والأصولي. يقول نيتشه: "الحق أن التساؤل عن أصل الفلسفات وكيفية نشأتها هو أمر لا قيمة له على الإطلاق، وليست هناك إجابة عنه تفضل الأخرى مطلقا، إذ أن بداية كل شيء كانت اختلالا يفتقر إلى النظام والتحدد، وكانت فراغا واضطرابا؛ ولا ينبغي أن نهتم في الأشياء إلا بمراحلها المتقدمة وحدها (…) فالطريق المؤدي إلى كشف أصول الأشياء يؤدي دائما إلى البدائية والهمجية".
إن السؤال المتعلق بما بعد الميتافيزيقا أو بما بعد الحداثة –كما يحلو للبعض تسميته-، ليس سؤالا نظريا يتعلق ببلورة مبادئ نظرية تستخلص منها نتائج، سواء كانت بمثابة معايير أحكام حول العالم الموجود كما تفعل "النظرية النقدية"، أم كانت مبادئ عملية تسعى إلى تغييره وتحويله. تجاوز الميتافيزيقا يقتضي إقامة علاقة جديدة مع تاريخ الفلسفة ومع عالم الميتافيزيقا بما هو في المنظور الجنيالوجي عالم الجدلي الغربية، علاقة يجب أن يكون أساسها هو سوء التفاهم Le malentendu وغياب الأساس. ويرى فاتيمو بأن نيتشه من خلال إعلانه "أفول المتعالي" يكون أول فيلسوف أدرك وضعية التجاوز هاته، وحدد مهام الفكر المابعد ميتافيزيقي La pensée postmétaphysique. فالأفول الذي يعلن عنه زرادشت ليس نفيا للمتعالي وإنما إثباتا لخسوفه الحقيقي. بحيث لم يعد يشتغل كمبدأ للعقلنة والتنظيم يمكنه من الانتقال بحياة الإنسان من شروط وجود سديمي إلى آخر أكثر تنظيما وعقلنة، ويمده بمعرفة علمية عن الطبيعة، وقدرة تقنية هائلة لإخضاعها، وبنيات اجتماعية قارة وثابتة تحقق له الطمأنينة والتقدم. لقد أصبح الإنسان هو النوع الذي لم تتحدد بعد خصائصه ولم تتضح ملامحه، وذلك بعد أن تم تجريده من إمكانية اللجوء إلى أي مبدأ متعال أو أساس ميتافيزيقي يحقق له المواساة ويجلب له الطمأنينة في الأوضاع المتأزمة والأحوال التي يحتد فيها الشعور بالخطر والتهديد. هكذا فإن كانت نهاية الميتافيزيقا تجد بدايتها في مقولة "أفول المتعالي"، فإنها تعثر على تحققها واكتمالها في "تجربة العدمية" كما عاناها نيتشه واختبرها في فلسفته. يقول نيتشه: "إنها حقا لفكرة مرعبة أن تتخيل الوجود كما هو بدون معنى وبدون هدف، ولكنه يعود باستمرار كما كان، وكما هو؛ كقدر (…) يؤدي إلى العدم. إنه العود الأبدي".
إن اتخاذ العدمية فضاء للتفكير يشترط إزالة الطابع اللاهوتي عن الكون، وتجريد العالم والإنسان من المعاني المقدسة التي أضفتها الميتافيزيقا عليهما. وذلك –من جهة- من أجل اكتشاف غنى العالم أو الوجود المتمثل في تعدد منظوراته واختلافه وصيرورته، ومن جهة أخرى السعي لإزاحة عوائق انطلاق الفاعلية الإنسانية وتمجيد القدرة الإنسانية على الخلق والإبداع والتجاوز الذاتي، "لأن ما هو عظيم في الإنسان أنه جسر لا غاية، وما يمكن أن نحبه في الإنسان هو أنه تجاوز وفي الوقت ذاته أفول". وليس مفهوم "الإنسان الأرقى" سوى ما يجب أن يكونه الإنسان بعد "أفول المتعالي". فهو لن يكون روحيا خالصة كما يريد اللاهوت والميتافيزيقا، "إذ لا يتعلق الأمر بإجبار الإنسان على تدمير نصف طبيعته لجعل النصف الآخر ينتصر، بل بدعوته إلى التنمية الكاملة لوجهي طبيعته كليهما".
إن العدمية بما هي فضاء جديد للتفكير، تعمل على تأزيم دلالة الوجود وتطرح بشكل جذري إشكالية المعنى والقيمة. وبحكم ذلك فهي تقتضي القيام بتحويل جذري يطال سلم القيم ومعيار التقويم Transmutation et transvaluation؛ كما تقتضي القيام بعملية قلب مضاعفة: قلب سؤال القيمة حول القيمة، وقلب سؤال الفلسفة حول سؤال فلسفة الفلسفة. وهذا القلب المزدوج هو ما يشكل بالنسبة لنيتشه "الفعل النقدي"، ويطلق عليه "التفلسف بواسطة ضربات المطرقة". إذن يقتضي ذلك القيام بقلب للقلب الذي أحدثه سقراط ومن بعد أفلاطون، حيث أحلا المعرفة محل الحياة, والأخلاق محل الجسد. والقلب النيتشوي المضاد يتمثل في إرجاع المعرفة إلى الحياة (وحدة أبولون وديونيزوس)، والحقيقة إلى إرادة القوة. وهكذا وتحت تأثير العدمية تقودنا فلسفة نيتشه –على أنقاض الميتافيزيقا- إلى طرح سؤال الجسد، لأن مرجعية الفكر والخطاب والعلامة –لدى الجنيالوجيا- ليست هي مبادئ العقل أو قوانين المنطق، وإنما هو الجسد بما هو لعبة قوى ورغبات. فالوعي العقلي أو المنطقي لا يمثل بالنسبة لنيتشه سوى الجزء الصغير من النشاط الجسدي: "فأنا أعرف بأنني لا أعرف شيئا عن ذاتي، لأن النشاط الأساسي هو نشاط لا واع".
وما دمنا لا نعرف ما الذي يستطيعه الجسد، ولا نوع النشاط القادر عليه؛ فيجب علينا باستمرار تحرير قواه وطاقاته، لأن نشاط الجسد متفوق على العقل والوعي بنفس الكيفية التي يتفوق فيها الجبر على جدول الضرب. أما تبيان كيف يتفوق نشاط الجسد على نشاط الوعي، وما هي مفعولات ذلك التفوق وانعكاساته على التفكير الفلسفي اليوم؛ فهذا يحتاج إلى حديث آخر.

 والسلام عليكم
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
souhielakhiralla
مشرفة عامة
مشرفة عامة


عدد المساهمات : 390
تاريخ التسجيل : 16/08/2012

مُساهمةموضوع: رد: فلسفة نيتشة" العدمية كإنحطاط والعدمية كأفق"   الأربعاء أغسطس 05, 2015 11:16 am

السلام عليكم


  نيتشة والعدمية وهيدغر والتأسيس الجديد على أنقاض العدمية


 هي مفارقة بين فيلسوفين في الطرح والمضمون


لنبدأ بالفيلسوف الألماني فريدريك نيتشة (1844م ـ1900م) من أبرز مفكري المخضرمين بين 


عصري حديث ومعاصر، الذين قاموا بنقد جذري للفكر الفلسفي الغربي وتبعاته الأخلاقية. وهذا 


مانجده في أغلب مؤلفاته " ولادة المسيح"1872م "هكذا تكلم زرادوشت"1883م"ما وراء الخير 


والشر"،"جينيالوجيا الأخلاق"1887م،"ضد المسيح "1886م... وغيرها من الكتابات منها كتاب" 


إرادة القوة".


التي يؤكد فيها نيتش تقلص القيم الثقافية في الأزمنة المعاصرة نتيجة النرجسية التي عاش فيها الفرد 


الأروبي ،وخاصة في جروحها الثلاث : منذ عصر النهضة "نظرية كوبرنيك"حول دوران الأرض 

،ونظرية داروين حول فكرة التطور، وكذا نظرية اللاشعور عند فرويد، التي كانت تدور تداعياتها 


وإرهاصاتها داخل المحتوى الثقافي الأروبي الحديث ،والتي يصفها نيتش بالعدمية  التي سقطت فيها 


الحضارة الغربية.


وهذه القيم المتساقطة أو الإنحطاط القيمي  ماهو إلا إنعكاسا  لأخلاق العبيد وقع إبتكارها من السادة 


حتى يقع تبرير الضعف والخنوع من الفكر الغربي التي ستكون محط نقد الخطاب النيتشوي لهذه 


الثورية لمضامين الموروث الفكري بشذراته ونصوصه وكذا النصوص الدينية المقدّسة في 


جينيالوجية  نيتش عن أصل البدايات وعمقها الجذري لهذه المعرفة  للإنسان الغربي .


وهذه إطلالة وصورة على البعد التاريخي والحضاري التي عاشها الفيلسوف في إطارها


النفسي والمنطقي والميتافيزيقي.


 و إنطلاقا من المقال المقدم ستكون لنا تحليل لبعض مواقف نيتشة لهذا الخطاب الغربي


مع شرح المصطلحات الواردة في ما طرح، وكذا عرض مقاربة بين الآراء المتناقضة مع هيدغر، 


كوقف أ


و توفيق أو مقاربة بين الفيلسوفين في خطاباتهم ومشاريعهم التأسيسية.


ـ فأين تكمن عدمية نيتش؟ وبالمقابل ـ أين يكمن الأفق الهيدغري؟ من خلال خطابات الفكر الغربي؟.
   
   والله يوفق الجميع ياارب
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
hibatallah
نجم في المنتدى
نجم في المنتدى


عدد المساهمات : 349
تاريخ التسجيل : 13/10/2012

مُساهمةموضوع: رد: فلسفة نيتشة" العدمية كإنحطاط والعدمية كأفق"   الأحد أغسطس 16, 2015 8:27 pm

السلام عليكم

نيتش والعدمية كإنحطاط


 قبل أن نبدأ بمشاركة المناقشة سنتطرق إلى ضبط بعض المفاهيم .

[rtl]1-    * كلمة جينولوجيGénéalogie: من أصل الإغريقية Gémos التي تعني الأصل، وبينما[/rtl]

[rtl]تعنيLogos العلم، الكلمة مركبةGénéalogie  التي تدل بصفة عامة في غالبية اللغات الأوربية[/rtl]

[rtl]على سلسلة من الأسلاف ترابطهم قرابة نسبية، يفترض أنها تنحدر من أصل مشترك واحد، أما في[/rtl]

[rtl]قواميس العربية فهو علم الأنساب. [/rtl]

[rtl] (مصطفى حسيبة،معجم الفلسفي، ص 157).[/rtl]

الجينيالوجيا عند نيتشة :هي منهج نقد القيم الأخلاقية من حيث أصل ومشروعها (محمد

الاندلسي:نيتشة والسياسة ،ص،55).

 ،ومعناه لاشيء ، NIHIL العدمية : وهو مشتق من اللفظ اللاتينيNihilisme

والعدمية  نوعان فلسفية وأخلاقية.

أـ فالناحية الفلسفية: فهي مطلقة أو نقدية ،فالأولى تتميز بإنكار وجود كل شيء،والثانية تتميزبإنكار
قدرة العقل الوصول إلى الحقيقة ،وهي في كلا الحالتين مرادفة للريبية.

ب ـ أما العدمية الأخلاقية: فهي مذهب نظري أو نزعة فكرية ،فإذا كان مذهبا نظريا دلّت على
أشكال القيم الأخلاقية أبطال مراتبها،وإذا كانت نزعة فكرية دلّت على خلو العقل من تصور هذه القيم
( معجم جميل صليبا، ج2،ص66).

القيمة : تتميز لفظ هذه الكلمة بنوع من الإستقامة ،وبتحديد الثمن أو القدر بالإضافة إلى دوامها.وقد
أخذ هذا المفهوم عدة معاني فلسفية بحسب آراء الفلاسفة وإتجهاتهم الفكرية .

وإجمالا كلمة قيمة: البحث عن الموجود من حيث هو مرغوب فيه لذاته ،وهي تنظر في قيم الأشياء
وتحللها ،وتبين أنواعها وأصولها .فإن فسرت القيم بنسبتها للصور الغائية المرتسمة على صفحات
الذهن كان تفسيرها مثاليا،وإذا فسّرت بأسباب طبيعية أو نفسية أو إجتماعية كان تفسيرها وجوديا .
وخير تفسير للقيم إرجاعها إلى أصلين أحدهما مثالي والآخر وجودي(جميل صليبا: المعجم الفلسفي
،ج2،ص214).

الإكسيولوجيا( نظرية القيم): البحث في طبيعة القيم وأصنافها ومعاييرها ،وهي باب من أبواب

الفلسفة العامة،ترتبط بالمنطق وعلم الأخلاق وفلسفة الجمال والإلهيات ،ولها معنيان:

1ـ دراسة او نظرية هذا النوع او ذلك من القيم كقيمة العقل مثلا.

2ـ نظرية لمفهوم القيمة بصفة عامة .(اندريه لالاند :الموسوعة الفلسفية،ص125).

الإله دونيسيوس:إله الخمر والمرح والحياة الصاعدة والبهجة والسرور في العمل
والعواطف...والغريزة والمخاطرة (راجع ويل ديورانت :قصة الفلسفة الحديثة،ص512)

الإله أبولو: وهو إله الراحة والسكون وفتنة العواطف،والتأمل العقلي والنظام المنطقي والهدوء
الفلسفي (المرجع السابق نفس الصفحة،512)

 ينطلق نيتشة في فلسفته كما أدرجنا سلفا من تراتبية جديدة في ولادة إنسان جديد أساسها إرادة القوة،

تعبر عن الشجاعة والنبل للإنسان الأعلى ، كتحطيم هذه الأصنام السائدة في المجتمع الغربي  من

خلال نظرية القيم أولا، كفهم قيمي للعالم بدل الفهم الأنطولوجي والفهم الميتافيزيقي الكلاسيكي.
تأسيسا على ماذا؟

من خلال أفكار نيتشة الذي بلغ سن النضج  بعد مخاض طويل وجدل  بين ما يدور في خلده وما
يعيشه من مسائل متعارضة أملتها الضرورة الحضارية للثقافة الغربية في كل مجالاتها ليست الفكرية
فحسب بل إنظلاقا من الجانب السياسي و الإجتماعي ...لتلك الفترة.

شكّلت من هذه التراكمات والإرهاصات بناءًا أو صرحًا من المعارف المتناقضة من مايحس به نيتش
من تطلعاته للفلسفات الكلاسيكية،وكذا تكوينه اللاهوتي في مرحلة شبابه طيلة الثلاثين سنة، أدخلته
ذروة الجنون في إشكالية أصل الحقيقة ، لهذه الخطابات التي إبتكرتها طبقة السادة كدستور يفرض
على العبيد . وخلقت فكرة المفاضلة والمفارقة بين الإنسان وأخيه الإنسان في المجتمع الغربي. أين
يرى نيتش :"ليس الناس سواسية  :كل أعلام الطراز المسمى إنسان كان حتى الآن وسيبقى أبدا من
صنع مجتمع أوستقراطي ما بوصفه مجتمعا يؤمن بسلم طويل من المراتب والفوارق القيمية، بين
إنسان وإنسان "(ف،ن:ماوراء الخير والشر،ض143)،

فالنضج الفكري الذي بلغه نيتش سن الأربعين من إنغماسه في مضامين الفكر الغربي ، واصوله 

حضاريا وتاريخيا منطقيا واخلاقيا بالدرجة الأولى او ما تسمى ميتافيزيقا الاخلاق كما ادرجنا سلفا

فيرى بأنه :" ليس عبثا إذ أن أكون قد دفنت اليوم السنة الرابعة والأربعين من عمري فقد حق لي أن

أدفنها، ما كان جديرا بالحياة فيها تم إنقاذه وغدا خالدا .تقويض كل القيمّ ".(ف.ن : هذا هو

الأنسان،ص13). فهذه التراتبية والمفاضلة التي تتمثل في (القيم، المعرفة و الوجود) ،ليكون السؤال

الانطولوجي تابعا للسؤال الإكسيولوجي في فلسفة نيتشة

التأسيسية. إذ يصرح" :لقد حصل التناقض بين العالم الذي نبجله والعالم الذي نعيشه ،الذي نشكله

نحن ولايبقى أمامنا سوى أمرين :إما القضاء على تبجيلنا ،وإما القضاء على أنفسنا بأنفسنا وهذه

الحالة الأخيرة هي العدمية"(ف،ن:إرادة القوة،ص 11).

 فالمشروع النتشوي أو العدمية تقوم على تقويض ما ورثه الفرد الغربي من الفلسفات الكبرى

والنصوص المقدسة من أفكار مثل ـ المثل، الروح، الله والدين ... التي خلّفت أخلاق الضعف التي

ورثّت الإنسان الأخير أو العدمية السلبية ، في نقد صريح للمسيحية بنصوصها فحينما يقول نيتشة :"

يجب أن لا تزين  المسيحية أو تجمل "(فريدريك نيتشة:عدو المسيح،ص28)، كتقويض للغة الخطاب

وتقنيات التفسير والمناهج االمعمول بها في تأويل هذا الموروث بطريق اللغة، كتلويح صارم
للنصوص المقدسة

ليتحول المنظور النيتشوي الجديد من الفهم الإنطولوجي إلى الفهم القيمي للعالم.

فالمدونة التي أعدّها نيتش هي إعادة تأسيس جديد للنسخ التقليدية للإنسان الغربي فيرى

 :"إن آخر ما يمكن أن أعد به هو إصلاح البشرية كما أني لن أشيد أصناما جديدة ليعلم القدامى ما

الذي يجعله الإنتصاب على قدمين من صلصال "( ف،ن:هو ذا الإنسان،صCool إشارة أكذوبة عالم

المثل في تجريد قيمة الواقع، كتلويح ينطلق من العمق للمدلول الأصلي للوعي  لجينيالوجيا البداية

لهذه القيم، منذ الإغريق وخاصة الأفلاطونية منها وكذا المقولات السقراطية التي شكّلت مفهوم

الأخلاق والفضيلة والعدل ،الخير والشر...وكل المفاهيم الميتافيزيقية التي مجدت ميتافيزيقا الوجود

عن ميتافيزيقا القيم الإنسانية. 

إذن من هذا المنطلق فإن النحو الذي ينتهجه نيتش بالدرجة الأولى هو تقويض للمفاهيم ومنها

الميتافيزيقا بالدرجة الأولى كأساس قيمي لبداية أصلية لمفهوم لأخلاق العبيد، ليكون خلق  أو لنقول

بناء أسس جديدة، تعبر عن إمكانية  تشييد قيم جديدة تقوم على أخلاق السادة والقوة،  وتعبر عن إرادة

الإنسان المتعالي فيورد نيتشة قائلا:"...فقد تعهّدنا بكل قوانا نحن الأخلاقيين بأن نبطل مفهوم الخطأ أو

مفهوم العقاب وأن نطهر علم النفس، التاريخ، الطبيعة،  المؤسسات والقوانين الإجتماعية منها، فإنه لا

يوجد في نظرنا خصوم أشد عزما من علماء اللاهوت الذين ما يزالون بمفهومهم عن "النظام الأخلاقي

الكوني يعدون براءة الصيرورة بـ "العقاب " و " الخطأ"  إن المسيحية هي ميتافيزيقا الجلاد".(ف،ن:

أفول الأصنام،ص 54)

فالموروث اللاهوتي بنصوصه ونظمه كان أولى المسلمات أو المفاهيم التي إنطلق منها المعول

النيتشوي في مسيرة الحدث الثوري لمضامين الفكر الغربي .

إذن فالحدث السياسي والإجتماعي والإقتصادي...فعند نيتشة أيضا هناك حدث فكري يجب أن

تخوضه الساحة الفلسفية ، كمنعطف جديد لميتافيزيقا (الوجود ،المعرفة ،القيم).

لتظهر مسائل جديدة عن ميتافيزيقا الذات ، بنظرة جديدة للإنسان الغربي في المفهوم النيتشوي ،

فمقبرة الميتافيزيقا التي حفرها نيتش بعد إعدامها  ودفنها في هامش الإرث   الفكري الغربي برمة

نصوصه الدينية والفلسفية وصولا إلى قاع المنحدر للفكر الإغريقي

قبل سقراط ، هي بداية ميثيولوجيا العصر المأساوي الإغريقي عن الأساطير الشعرية للآلهة أبولو و
دينسيوس . التي تعبر عن التعالي والقوة  ويد الخير ومعول الشر...

هي سنفونية نيتش الشعرية بكل أسرارها المخفية في لغة رمزية لايفقهها إلا زارا الرافض

ونيتش المجدد أو المنقد ، العازف على أدراج سلم  الموسيقى لآلة البيانو عنوان تراجيديا جديدة
عنوانها " موت الإنسان الأخير".


فالشك والمخاض العسير الذي عزل نيتشة على قمم الجبال متأملا عن قوة مفارقة يستلهم منها إرادة
قوية تفضي لإنسان أقوى ،هي ملحمة الجنون التي راودته في أحضان الطبيعة مراقبا حركية هذه
المعرفة أو العلم واللاهوت بين الصعود والنزول في مرح البحث والتشخيص.

ليخلص بعد سنين أنه يجب تحطيم الأصنام التي يؤمها العبيد من الناس،ويشير إلى مبشر جديد
ومخلص متجدد بنبوة زارادوتش جرماني الجنس إنتقالا من أفول نرجسية الدين و مثالية العقلانية
المتعالية وصرامة العلم إلى إحياء القيم الأخلاقية ببصمة قانون السادة في فكر عدمي  إسمه نيتشة .
و الله يوفق الجميع
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
hibatallah
نجم في المنتدى
نجم في المنتدى


عدد المساهمات : 349
تاريخ التسجيل : 13/10/2012

مُساهمةموضوع: رد: فلسفة نيتشة" العدمية كإنحطاط والعدمية كأفق"   السبت أغسطس 29, 2015 7:21 pm

السلام عليكم

تابع لتحليل المقال السابق

 
هذا الشق الأول عن العدمية عند نيتشة فماهو مفهومها عند مارتن هيدغر؟


أولا قبل الإجابة ، سنتطرق وفق مقتضيات التحليل إلى التعرف بالفيلسوف هيدغر


والإطار الفلسفي والبعد الزمني لهذه النقدية للفترة المعاصرة ، وكذا كما تعودنا شرح


أهم المصطلحات في فلسفة هيدغر.


ثم يمكننا الإجابة أو الوقف على أهم النقاط التي إنطلق منها هيدغر في تأسيس أرضية فكره


وذلك في حصرها من أحد مسلمات نيتشة وهي "الميتافيزيقا" من بعدها القيمي 


الاكسيولوجي إلى أعادتها لبعدها الأنطولوجي عند هيدغر، في قراءة جديدة .
  
مارتن هيدغر فيلسوف ألماني(1889 ـ 1976م )  عرف "بمفكر الكينونة" 


وأحد أبرز قادة المدرسة الوجودية،  تابع دراسته 1909م في علم اللاهوت الكاثوليكي 


بجامعة فريبورغ،  ثم تلقى بعد ذلك دروسا في الفلسفة والرياضيات و علوم الطبيعة و 


التاريخ حيث تتلمذ على يد أستاده إيدموند هوسرل (1859 ـ 1939م) و تحصل على 


الدكتوراه في الفلسفة 1913م بنشر كتابه الشهير "الوجود و الزمان " 1927م،  قبل أن 


يخلف أستاذه هوسرل في عمادة الجامعة بعد أن كان مساعدا له  في جامعة فريبورغ 


بتدريس المنطق وكان أول مقال إفتتاحي في محاضرته هو "ما الميتافيزيقاويعد مارتن 


هيدغر أحد أبرز الأصوات الرافضة لهذا الإختزال الغربي للموجود الإنساني ، وأحد 


أعمدة إتجاه المدرسة الوجودية المعاصرة الذين قدّموا نقدا لمظاهر الحياة التقنية و نتائجها 


السلبية  و خاصة منها في سوء إستخدامها في عصرنا هذا، الذي عرف ثورات علمية و 


تقنية كبيرة  في خضم التطورات السريعة التي عرفتها المعرفة العلمية، وخصوصا في 


مجال علم الفيزياء و الطبيعيات.


 لقد إنصب إهتمام مارتن هيدغر في البحث وطرق باب النقاش و المساءلة ، عن 
ماهية حقيقة الوجود  وهذا تطبيقا لمنهجه الفينومينولوجي الذي يقوم على الذهاب 
من الظاهرة إلى الماهية


أي من موضوعات الأشياء في ذاتها ، إلى الغوص و التعمق  أكثر   في البدايات 




الجينيالوجية للأشياء


[rtl]فهيدغر يبحث و يحاول  إكتشاف الحقيقة  الماهوية للموجودات ، كما  تأسست في أحضان ماهية الكائن هناك (الدزاين) أين تشير هذه مفردة إلى تجربة لغوية [/rtl]
[rtl]وميتافيزيقية  عميقة في فلسفتة. تجربة بحث عن حقيقة ظلت متحجبة قرونا [/rtl]
[rtl]طويلة.رفع هيدغر نداءًا لحقيقة الميتافيزيقا  في وقت ظنت الفلسفة الغربية  أنها قد تجاوزت التفكير في الوجود والموجود. حيث أقام مناظرة مباشرة مع الفلاسفة المحدثين ،[/rtl]


[rtl] عن الكشف ماهو مسكوت عنه  داخل النصوص الكلاسيكية الكبرى ، و الشذرات الشعرية القديمة للفلسفة اليونانية قبل سقراط . في إستعادة للقراءة  الأنطولوجية لهذا [/rtl]
[rtl]المأثور النائم بنصوصه وشذراته الشعرية للفلسفة الإغريقية الأولى  .[/rtl]
       فالمشروع الهيدغري ينطلق من مفهوم فكرة الكينونة ، بكل أبعادها الشاملة المنطقية


 والمعرفية والمنهجية عبر تاريخها التطوري من فلسفة  ميتافيزيقا الوجود الأولى للفكر 


اليوناني ماقبل سقراط . فهو يطرح ضرورة تجاوز هذه الأنطولوجيا  وإخراجها من سياق 


مفهوم البداهة ، إلى صرامة التشخيص و الإستجواب و الإحراج في إستعادته لقراءة 


سؤال الوجود بكليته ، بعدما تمّ ركنه في رف التيه والنسيان . ليخرجه هيدغر مجددا من 


غياهب النصوص الكبرى للفلسفة ، و اللاهوت ، و يضعه على طاولة   متن الفكر الغربي .


أن النقد الهيدغري المتضمن في هذه النصوص ، هو النص المحوري لبناء أسس 


أنطولوجيا جديدة ، إنطلاقا من الكائن.


قبل البدء سنتطرق إلى شرح بعض من المصطلحات الواردة في المقدمة.


الحقيقة :هي مطابقة التصور أو الحكم للواقع ،فالحقيقة بهذا المعنى إسم  لما أريد به حق 


الشيء


الحقيقة عند الوجوديين هي :تجلي الواقع المدرك بحيث يتصور الشئ  كما نشاء في حرية 

تامة وبحيث تكون الحقيقة ذاتية او نسبية وتاريخية فالحقيقة اذن نتيجة فعل حر .


(جميل صليبا:المعجم الفلسفي، (ج 1)،ص487.)


 الوجود :تحقق الشيء في الذهن أو في الخارج ومنه الوجود المادي أو في التجربة 


،والوجود العقلي أو المنطقي.
 
.(إبراهيم  مذكور: المعجم الفلسفي ، ص211.)


الوجودية:مذهب يقوم على إبراز الوجود و خصائصة وجعله سابقا على الماهية ،فهو 


ينظر إلى الإنسان على أنه وجود لا ماهية ويؤمن


  بالحرية المطلقة التي تمكن الفرد من أن يمتع نفسه بنفسه ويملأ وجوده على النحو الذي 


يلائمه.


.(إبراهيم  مذكور: المعجم الفلسفي، مرجع سابق،ص211).


الفينومينولوجيا أو الظاهراتية :هي مدرسة فلسفية تعتمد على الخبرة الحدسية للظاهر 


كنقطة بداية وتنطبق من هذه الخبرة لتحليل الظاهرة


وأساس معرفتنا بها .وهذا المنهج إتخذه هيدغر في قراءته لمسألة  ميتافيزيقا الوجود


(بتر كونزمان  فرانز و آخرون:أطلس الفلسفة ،ط2،ص 197)


الماهية  . والحقيقة والذات: قد تطلق على سبيل الترادف ،ولكن الحقيقة والذات تطلقان 


غالبا على الماهية ، بإعتبار الوجود الخارجي.


(جميل صليبا:المعجم الفلسفي ، (ج2)، ص315)


الدزاين: (الوجود – هناك) هو من ضمن إمكانيات الخاصة بالكائن الأصيل ،إذ ما 


إستطاع أن يحقق نفسه إنطلاقا من وجوده ،فلا يمكن   

إشتقاقه من ماهية عامة قائمة سلفا ،ولا يمكن إدراك صفات كينونته من خلال المقولات 




،بل تدرك من خلال التعينات الوجودية الحياتية.


 (جميل صليبا:المعجم الفلسفي ، (ج2)،:ص207.


الأنطولوجيا : أحد بحوث الفلسفة الرئيسية وتشمل النظر في الوجود بإطلاق ،مجردا من 


كل تعين  أو تحديد وهو عند أرسطو  علم الوجود بما هو موجود ، وبهذا المعنى سمي 


بمبحث الميتافيزيقا العام. (إبراهيم  مذكور: المعجم الفلسفي ، ص26)


إذن فالأساس الهيدغري ينطلق على  تقويض الميتافيزيقا ؛أي من عدمية نيتشة التي 


رفضها كأحد الأسس الأصيلة في الفكر الغربي .


فهي أي الميتافيزيقا نقطة اللقاء بين الفيلسوفين، ولكن من وجهة نظر مختلفة


فنيتش يعدمها من جذورها ،وهيدغر من خلال العدمية يحاول إعادة قراءتها من جديد 


وبمسلمة جديدة.وكذا نجد المنطلق المشترك الوجودي للإنسان الغربي، فنيتش من خلال


الرجل الأسمى" وهيدغر ب فكرة "الدزاين" ،فالذات هي الحاضرة في قراءة الفيلسوفين .


وكذا مسرح النقد المشترك للنصوص المقدسة وكذا الموروث الفكري للحضارة الغربية، 


والأصول أو البدايات الجينية للفلسفة الإغريقية الأولى قبل سقراط.


أما المنعطف الحقيقي فيكمن في النظرة الإكسيولوجية (أو القيمية) عند نيتشة تقويضا 


للنظرة الإختزالية المتمحورة حول نظرية المعرفة،أما هيدغر فمنعطف يتأسس على 


  النظرة الأنطولوجية (الوجود) التي أعاد بناءها من الجذور وإنزالها من السماء لتنطلق 


من الأرض إنطلاقا من الكائن ، لتصبح  بخصيصة ميتافيزيقا الوجود الإنساني المنفرد 


بدل ميتافيزيقا الوجود المطلق.


هذه أبرز نقاط الوقف والتوفيق بين المعولين للفكر الغربي، بين قبر الميتافيزيقا عند نيتشة 


ونبشها وإعادة روحها المتجددة عند هيدغر. 


    والله يوفقنا لتقديم الأفضل يااارب
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
souhielakhiralla
مشرفة عامة
مشرفة عامة


عدد المساهمات : 390
تاريخ التسجيل : 16/08/2012

مُساهمةموضوع: رد: فلسفة نيتشة" العدمية كإنحطاط والعدمية كأفق"   الثلاثاء سبتمبر 01, 2015 6:42 pm

السلام عليكم

شكرا الأخت هبة الله على تكملة التحليل للمقال

وما هذه المساهمة المتواضعة إلا نتاج ثمار أساتذتنا الله يذكرهم بالخير

وماهي ‘لا نتائج وخلاصة التوجيه والتكوين والثراء المعرفي لطلبة الفلسفة

بجامعة ورقلة كأول دفعة متخرجة لهذه الشعبة.

فالجنان طاب وحان قطفه ليساهم في إطعام طلبتنا ولو بشيء قليل

خاصة في منهجية التحليل.

وكما رأيتم فالنص الاصلي هو المنطلق لكل تحليل

وكذا أعطاء البعد التاريخي أو الزمني لإشكالية المقال بعد تحديدها طبعا

وكذا ذكر الإرهصات التي أدت بالمفكر أو الفيلسوف بكتابة هذا النص مع التعرض بشكل موجز لحياته وابرز آراءه

والأهم من هذا هو التركيز على شرح المصطلحات  المحورية فهي مفاتيح النص

والعودة إلى المراجع لابد منه التي تصب في الموضوع

والأبرز من كل هذا هي اللغة التي ستكون واجهة التحليل يفهمها الجميع

هذه بعض الأشياء التي يجب التنويه بها للطلبة قبل التحليل

والمهم والأهم هو الزاد المعرفي للطالب ، فالعلم تراكمي يبني بعضه البعض

فلن تستطيع فصل إشكالية عن معضلة أخرى

فالفيلسوف له جانبه الفكري ويعيش في وسط يربطه بما يفكر فيه ومايكتبه

والجميل في هذا أن يكون الطالب مزود بمراجع في منهجية التحليل وسؤال الأستاذ للإفادة

وهنااك آليات كثيرة يكتسبها الطالب أثناء التحليل .

طبعا مع المطالعة والتطلع لكل جديد يكتب من مقالات لختلف المواضيع فيه الكثير

ففلسفة نيتشة وكذا هيدغر لها عمقها وغموضها ورموزها 

ولكن التعرض لأبرز  خطابات قادة الفكر الغربي  هو رفع الغطاء عن الإنسان الآخر

الذي صنع منه هذا الكائن المهيمن والمتسلط في آليات خطاباته ومؤسساته العلمية منها والعسكرية والأقتصادية بالخصوص

فالفسفة الغربية شكلت معنى القوة صنعت أخلاقا وقيما لها خصوصيتها 

شكلت الجانب النفسي للغرب أنه الإنسان الأقوى وهو المركز والباقي هو أطراف أو لنقل أذيال تابعين

هذه الأفكار الكامنة والأصوات المزلزلة بين الأحرف والسطور شكلت أرضية للجنس الآري

الذي نراه اليوم.

وللكلام بقية عن ميتافيزيقا هيدغر ....

  فتقبلوا تحياتي وكل التوفيق ياارب
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
hibatallah
نجم في المنتدى
نجم في المنتدى


عدد المساهمات : 349
تاريخ التسجيل : 13/10/2012

مُساهمةموضوع: رد: فلسفة نيتشة" العدمية كإنحطاط والعدمية كأفق"   الجمعة سبتمبر 04, 2015 11:28 am

السلام عليكم

شكرا الاخت سهيلة لقدت عدتي والعود احمدو انشاء الله

فقط انه في بعض الاحيان نتوه عن كلمة المرور ونفقدها ولكن مع الوقت

وبعد عدة محاولات نسترجعها ههه خاصة اذا كانت مشفرة برموز وارقام
وكأنها رمز لأحد البنوك السوسرية  ههه

وطبقا لمواصلة التحليل فلكم ماجادت به قريحتنا .


مواصلة للتحليل فنجد أن:


من خلال ماتقدم نرى أن المراحل المأزومة لاتنتج إلا فكرا مأزوما


ماذا يعني ذلك؟


فالسياق النقدي الذي إنتهجه الفيلسوفين هي الهموم الحضارية  والأغتراب الثقافي الذي عاشته البنية 


السياسية والثقافية  باوربا عن اشكالية الحرية والانفتاح على العلوم الاخرى في فرنسا وإنجلترا والمانيا وهولندا في تلك الفترة


فالمفكر أو الفيلسوف ضاق ذرعا من الجدل القائم بين رجال اللاهوت والعلم والسياسة 


حول المناهل الفكرية للمدرسة الغربية المتعددة من خلال النصوص الكبرى والكتاب 


المقدس بالخصوص ، الذي كان إسهام سبينوزا أبرز من أشعل نقدية النص الديني بين 


ماهو عقلاني وماهو وحي؟


وكما رأينا مسبقا أن نيتشة و هيدغر هما من تكوين أو خريجي المدرسة اللاهوتية


إذن فنحن نتكلم عن مرجعية أصيلة  فالإجابة او النقد سيكون على أساس تاريخي


في المناهج وآليات التحليل في تأويل هذا الموروث النائم .


وهذا دائما تتبعا لنقاط التوفيق بين الفيلسوفين لكن في الصورة ونكمل:


فكلا الفيلسوفين هما من المشتغلين بفقه اللغة، ففقه اللغة منهج تاريخي يرصد النصوص التاريخية 


الكبرى  بطرح اسئلة مثل :كيف كتبت ؟ومن كتبها؟.. الزمن الذي 


كتبت فيه؟ والأسئلة لا حصر لها نتيجة للتعارض الصارم بين مقتضيات العقل والوحي نتيجة للثورة العلمية التي 


أجتاحت اوربا في القرن الثامن عشر،والتي كانت انعكاسا ونفوذا  لجدل كبير للمؤسسة الدينية التي مورست في 


سياق نقد الكتاب المقدس.


فتموضع قوة الخطاب عن المناهل الدينية كما وجدت التي تحولت الى مراجع من التراث بمختلف تشكيلاته أدت 


بنيتشة وهيدغر  لإعداد مشروع حضاري جديد ذو مضامين انتقالية متجددة ان لم نقل ثورية كمنعطف للفكر 


الغربي ذو منحى تأصيلي ببنى اسس منطقية انطلاقا من فقه اللغة كما اسلفنا الذكر.


فبهذا فإشكالية النصوص المقدسة اخذت مسار المعرفة في اوربا من العقلانية كما جاء عند ديكارت وكانظ 


والتجريبية عند هيوم ولوك دعى الى هذه التناقضات ، فضمن هذه الخطابات  بين التحديث والتأصيل التي تعتبر 


مقاطعة للنصوص الكبرى، أو القطيعة بين الفكر واللاهوت فإن قراءة النص قراءة خصبة في اعادة مشروع مجدد  


لموقع قوة في الخطاب المهيمن حول التقنية والمخرجات التي شكلت هذا النص بين القبول والرفض الذي ساد في 


القرن الثامن عشر والتاسع عشر بأوربا.ماذا نعني بهذا؟


التغلغل الذي أحدثته السلطة الدينية والعلمية ونفوذ العلم  كما تعرضنا إليه في الخطابات وكذا هذه


الثورة العلمية والتقنية  كشفت عن أنه يوجد تعارض في هاته النصوص بين ماهو وحي(الهي) وبين ماهو 


عقلي(انساني)، إختفت كل الغايات  لكي لا تبقى هناك إلا إرادة الهيمنة، من أجل الهيمنة أين يقول هيدغر 


منتقدا :"...إن إرادة الإرادة تنفي كل غاية في حد ذاتها، ولا تسمح بأية غاية إلا بإعتبارها وسيلة".( نقلا عن 


عبد الرزاق الدواي،  موت الأنسان،  ص 58). التي حان تشخيصها وقراءتها قراءة نقدية 


والبحث عن اصولها وابعادها الحضارية


انطلاقا بالعودة الى المنهج التاريخي عن البدايات  في التحليل التي ركنت الوجود الإنساني 


في قراءة هيدغر أين يورد قائلا:"...نسيان الوجود، ولا تفكر في الإختلاف الأنطولوجي بين الوجود، 


 والموجود وفضلا عن ذلك كله لأنها مجموعة من الخطابات تبرز وتوجه الفعل  البشري وتحاول باستمرار إنتاج 


صيغ جديدة للجواب عن السؤال "ما العمل" ؟".


 (نقلا عن عبد الرزاق الدواي : موت الأنسان،  مرجع ساق،  ص 58.)


فهيدغر ينطلق من كينونة الكائن بصفته الموجود الأصلي لهذا الوجود الأنطولوجي بكليته فهو يرى أن


:" الإنسان راعي الوجود" ( المرجع نفسه، ص 46).


ونيتش يحاول حصد الثمار بغرس قيم جديدة تبيد ميتافيزيقا العبيد.



وبهذا فإن التوفيقية الحضارية وفقه اللغة في إستعادة قراءة تاريخية لمسار المعرفة بما فيها تأويل النص المقدس حاضرة 


بين الفيلسوفين ولكن لكل واحد مهما قراءته.
  والله يعيننا ويعين الجميع يااارب
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
hibatallah
نجم في المنتدى
نجم في المنتدى


عدد المساهمات : 349
تاريخ التسجيل : 13/10/2012

مُساهمةموضوع: رد: فلسفة نيتشة" العدمية كإنحطاط والعدمية كأفق"   الثلاثاء مارس 01, 2016 11:13 am

السلام عليكم

لمزيد من القراءة في الموضوع فلكم الرابط التالي

[وحدهم المديرون لديهم صلاحيات معاينة هذا الرابط]


 والله يوفق الجميع
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
hibatallah
نجم في المنتدى
نجم في المنتدى


عدد المساهمات : 349
تاريخ التسجيل : 13/10/2012

مُساهمةموضوع: رد: فلسفة نيتشة" العدمية كإنحطاط والعدمية كأفق"   الجمعة أبريل 08, 2016 7:21 pm

السلام عليكم

للامانة منقول

مزيدا من التعمق في الموضوع في قراءة هيدغر النقدية لفلسفة نيتشة


1. التأويل الهيدغري لفلسفة نيتشه :
يرى هيدغر بأن هيمنة مفهوم القيمة على فلسفة نيتشه ، وصياغته لقضايا الفلسفة والوجود صياغة قيمية/أخلاقية ، يعتبر أبرز دليل على طابعها الميتافيزيقي ، واندراجها ضمن تاريخ الميتافيزيقا بما هو تاريخ لنسيان الوجود . ففلسفة نيتشه بالرغم من نقدها للميتافيزيقا ، وقلبها للأفلاطونية ؛ إلا أنها – في منظور القراءة الهيدغرية – تنتمي إلى الميتافيزيقا وتندرج ضمن إشكاليتها ، ألا وهي إشكالية " نسيان الوجود " ، وهي الإشكالية المحددة لماهية الميتافيزيقا عند هيدغر . وذلك من خلال الأولوية والصدارة التي منحها نيتشه لمفهوم القيمة داخل فلسفته مقابل غياب بل وانمحاء كلّي لمفهوم الوجود لديه ؛ ومن خلال مفهوم إرادة القوة الذي يجسّد عودة إلى مفهوم الذات وترسيخ لمركزيته وسلطته داخل الفلسفة ؛ ومن خلال تمجيده للإنسان الأرقى ؛ وأخيرا من خلال اللامفكر فيه الميتافيزيقي المتحكم في كامل فلسفته ؛ من خلال كل هذا اعتبر هيدغر بأن فلسفة نيتشه تعدّ تتويجا لمسيرة الميتافيزيقا وختما لها . إنها تمثّل اكتمال الميتافيزيقا وأوجها ونهايتها في الوقت ذاته .
إن التساؤل عن أصل مفهوم القيمة في فلسفة نيتشه ، هو في نظر هيدغر جزء لا يتجزأ من التساؤل عن ماهية الميتافيزيقا في تلك الفلسفة . وطرح هذا السؤال يجعلنا في نظر هيدغر نقف على الترابط القوي الذي يقيمه نيتشه بين تأسيس القيم وإرادة القوة . لأن أصل اعتقاد الإنسان في القيم الكونية والشمولية مرتبط برغبته وإرادته الملحّة في أن يتحمّل قيمته وأن يضطلع بها بذاته ، في عالم صار – "بعد موت الله "- فاقدا للقيمة ، وخال من المعنى والحقيقة ، وبدون غاية . ولهذا تعتبر إرادة القوة هي المرجع الأساسي في قلب القيم، ووضع لوحة جديدة للقيم . فالقيم كلها مؤسسة على إرادة القوة ، وبحكم ذلك فهي شروط لإمكانية الحياة .
يلخّص هيدغر هذا التداخل بين القيمة والمنظور وإرادة القوة على النحو التالي : " كل هذه القيم ، بما هي قيم ، عبارة عن بعض وجهات النظر ، لبعض حقول الرؤية ، لنموذج من إرادة القوة " [1]. وبما أن إرادة القوة هي التي تغدق على الأشياء معناها وقيمتها ، فإن كل ظاهرة أو موجود هو عبارة عن منظور ، أو هو من حيث ماهيته منظوري . مما يعني في آخر المطاف أن الواقع ذاته ليس سوى نتاج لمنظور معين . إنه من جهة محدد من قبل إرادة قوة ، ومن جهة أخرى يشكّل تشابكا للمنظورات والتقويمات . فالطابع التركيبي لتقويمات الواقع ، يعكس بدوره الطابع التركيبي لإرادة القوة ، من حيث أن هذه الأخيرة هي مركّب من قوى متصارعة ومتنازعة ؛ منها قوى ارتكاسية تنزع إلى المحافظة على الذات والإبقاء عليها حتى ولو كان ثمن ذلك التشبث بالأوهام ، ومنها قوى فاعلة تنزع إلى التوكيد والإبداع والتجاوز الذاتي [2] . إذن فالقيمة هي أساسا وجهة نظر ، تفيد في الزيادة في الهيمنة وتوسيع نطاقها ، أو في الحد منها واختزالها . وعليه فالدين والأخلاق والفلسفة والعلم والفن ، ومؤسسات المجتمع كالدولة وغيرها ، تقوم كلها مقام القيم ، بما هي شروط ضرورية لتنظيم حياة الجماعة والتحكم في الصيرورة ومفاجآت الزمن .
هيمنة مفهوم القيمة داخل الفلسفة بصفة عامة ، وترجيحه في ميتافيزيقا إرادة القوة بشكل خاص ، سيمكّن الفلسفة –حسب التأويل الهيدغري – من أداء وظيفتها المتمثّلة في قلب جميع القيم هذا من جهة أولى . ومن جهة ثانية ، سيجعلها تتحول إلى نوع من المرآة يتجلى فيها بوضوح تاريخ الميتافيزيقا ، بما هو تاريخ لتحقيق مقولات العقل الأساسية : كالكلية ، والوحدة ، والحقيقة ، وهي التي تتخد في فلسفة نيتشه – حسب هيدغر – شكل المقولات العليا . هكذا فمع نظرية القيمة النيتشوية ، سيصير تاريخ الفلسفة تاريخا لتأسيس القيم وتحقيقها [3]. ومن جهة ثالثة ، فإن التأويل النيتشوي لمفهوم القيمة ، وصياغته لمشكلات الفلسفة والكينونة صياغة قيمية ، سيجعل الميتافيزيقا أكثر قابلية للفهم مما كانت عليه سابقا . إنه سيمكّن الميتافيزيقا من وعي ذاتها ، لأنه سيلهمها القدرة لكي تقول ما عجزت عن قوله ، وعن التفكير فيما لم يتم التفكير فيه بعد . وهكذا فتكريس سيادة المنظور القيمي أو القراءة القيمية داخل الفلسفة ، سيكشف القناع عما هو مسكوت عنه وظل متواريا في الظل ، مشكّلا بذلك – كما يرى هيدغر – نوعا من اللامفكر فيه في تاريخ الميتافيزيقا . وإذا كان الأمر كذلك ، فيجب أن ننظر – كما يقول هيدغر- إلى تصور نيتشه لمقولات العقل بما هي تجسيد للقيم العليا للغرب ، باعتبارها كمحاولة لتحرير القيم الميتافيزيقية واسترجاعها لمحتواها الخلاق ؛ وهو المحتوى الذي ظل في غياهب اللاوعي . لقد صارت الميتافيزيقا بعد أن أخضعت من قبل نيتشه للقراءة القيمية ، بمثابة تأويل للوجود في كلّيته من حيث هو إرادة قوة[4].
لكن إذا كانت الميتافيزيقا هي هيمنة لإرادة قوة ، فإنها ستكون خاضعة للإرادة الأخلاقية ؛ وستصير على حد تعبير هيدغر " أنطولوجيا أخلاقية أو أخلاقا أنطولوجية " [5]؛ وبالتالي سيكون أساس الميتافيزيقا هو الأخلاق . وبحكم الطابع الأخلاقي لهذه الإرادة ، فستكون ارتكاسية عاجزة عن ممارسة القوة ، أي عاجزة عن وضع وتحديد غايات وتحقيقها ؛ وهذا ما يجعلها تقوم بعملية إسقاط – خارج ذاتها وفي عالم ما فوق حسي – لنسق من التقديرات والتقويمات المتعلقة بما ينبغي أن يكون ، وتتخذ منه مقياسا للأشياء . ويرى هيدغر بأن هذا المعنى الذي يعطيه نيتشه للميتافيزيقا ، هو ذاته المعنى الذي يعطيه للأخلاق؛ فهي تتحدد أيضا باعتبارها منظومة من التقويمات التي تتخد من العالم المفارق معيارا لكل شيء [6].
هكذا يتمثّل نيتشه – في تأويل هيدغر- الميتافيزيقا بكيفية أخلاقية ، مادام يتعامل معها كنسق من تقديرات القيم [7] . وبهذا يصبح كل تأويل للعالم هو بمثابة تأسيس لقيم معينة لتنظيم العالم وتشكيله تبعا لإرادة القوة ، أي تبعا لصورة معينة للإنسان . فتصير الميتافيزيقا مع نيتشه عبارة عن نزعة أنتروبمورفية ، أي بمثابة إدراك للعالم وفقا لصورة الإنسان . وهذا ما يجعل هيدغر يصل إلى الخلاصة التالية : وهي أن ميتافيزيقا إرادة القوة ، والتي يتأسس عليها مذهب الإنسان الأرقى ، تجعل من الإنسان مركزا للوجود ، ومقياسا مطلقا ووحيدا للأشياء . وهذا ما لم تستطع إنجازه وتحقيقه كل الميتافيزيقا السابقة على نيتشه ، والممتدة من أفلاطون إلى هيجل [8].
وإذن فإن فلسفة نيتشه – حسب التأويل الهيدغري – تضرب بجذورها في أرض الميتافيزيقا، لأنها ترتد في آخر المطاف ، إلى التأويل الميتافيزيقي الأصلي كما مارسه ووضع أسسه أفلاطون ، الذي اعتبر بأن الفكرة l’idée ، هي نموذج وماهية للوجود ، ومقياس لأشيائه وظواهره . وهذه الفكرة الأفلاطونية هي التي ستتبلور في عصر النهضة مع ديكارت ، وستتخد صورة الإدراك الواضح والمتميز للكوجيطو ؛ كما ستتخد مع ليبنتز شكل التمثّل la représentation ؛ إلى أن تعثر في فلسفة كانط على صورتها الناضجة والمتمثّلة في شروط الإمكان . وبهذا التأويل صار الطريق معبّدا وحرّا لتبلور مفهوم القيمة في الميتافيزيقا النيتشوية ، أي لتصبح الخاصية الأساسية للوجود والموجودات هي القيمة ، أي إرادة القوة [9].
والخلاصة هي أنّ التأويل الهيدغري لفلسفة نيتشه بصفة خاصة ، ولمفهومه للقيمة على الأخص ، يجعله لا يخرج عن الخط الفكري الذي رسمته الميتافيزيقا عبر مختلف مراحل تطورها ؛ مما يجعلها تتماهى مع مختلف أشكال الميتافيزيقا ، حتى وإن كان نيتشه ذاته يصرّ على اعتبار فلسفته بمثابة "قلب للأفلاطونية" التي تشكّل في نظره ميتافيزيقا للشعب .
هذه الإعتبارات هي التي جعلت هيدغر يعتبر الخط الفكري بين كانط ونيتشه هو خط موحّد بصدد مفهوم القيمة ، بعد أن بيّن وحدة تفكير نيتشه وديكارت بصدد مفهوم الذات . يقوم هذا الخط على النظر إلى الإنسان ، باعتباره خاضعا لسلطة إرادة القيم التي تشكّل "عالما موضوعيا" ؛ يتميز بالقبلية apriori ؛ ويشكّل مقياسا لتقويم الكائنات والأشياء . وهو خط يقوم في جوهره وعمقه على أساس أفلاطوني ، يزعم أنه من داخل عالم القيم يمكن تقرير مصير الكائن ، وتحديد شروط إمكان الحياة . وهو الخط ذاته الذي سيصبح فيه "الإنسان الأرقى" ، هو المعنى الأخير والقيمة العليا التي لم يكن لها على الإطلاق وجود من قبل. وبهذا تكون الميتافيزيقا قد بلغت أقصى درجة العقلانية وسيطرة القيم، ووصلت إلى منتهاها مع قلب جميع القيم transvaluation[10].
وهكذا ففلسفة نيتشه التي تظل في نظر الكثير من الباحثين المعاصرين تمثّل فجر ما بعد الحداثة الفلسفية [11]، بما حققته من زحزحة جذرية للسؤال الفلسفي حيث نقلته من المستوى الماهوي الميتافيزيقي إلى المستوى القيمي والحياتي ؛ وباستحداثها لآليات جديدة في قراءة الخطابات وتأويل النصوص تعتمد أساسا على التحليل الجنيالوجي ؛ وببلورة تصور جديد للفلسفة والتفلسف ، وإرساء منحى جديدا لمسألة الحقيقة في الفلسفة ..إلخ .
وعلى النقيض تماما من هذه الصورة ، ظل نيتشه في التأويل الهيدغري يفكر من داخل أسوار الميتافيزيقا وثنائياتها المطلقة : كالحقيقة والخطأ ، والخير والشر ، والعمق والسطح ، والمعقول والمحسوس ، والباطن والظاهر ..إلخ ؛ ولم يستطع الخروج على الأساس العام الذي اتخدته الميتافيزيقا منطلقا لقول الحقيقة وإصدار الأحكام ، ألا وهو مبدأ الذاتية أو مفهوم الذات [12].
صحيح أنّ "ميتافيزيقا إرادة القوة" – وهو العنوان الجديد الذي وضعه هيدغر لفلسفة نيتشه – عملت على الحطّ من قيمة المنطق والعقل من حيث هما السبيل الوحيد المؤدي إلى حقيقة الوجود ؛ إلا أنّ هذا النقد الموجه لهما ، ظل تبعا للمنظور الهيدغري ، نقدا لم يبارح أرض الميتافيزيقا ؛ لأنه بقي محكوما بتصور آخر للذات من حيث هي إرادة قوة [13].
صحيح أنّ نيتشه انتقد أساس الميتافيزيقا الذي هو الذات أو العقل ، والمنطق وإرادة الحقيقة، ودعا إلى إقامة أساس مغاير يردّ إليه المعنى والحقيقة ؛ غير أنّ نيتشه – حسب هيدغر – لم يخرج عن ذلك الأساس الميتافيزيقي الذي هو مفهوم الإنسان ، والذي كان وراء خلق عالم من الأفكار المفارقة التي فقدت كل صلتها بالواقع الحي ؛ فلم يستطع تجاوز المفارقة التي تحكمت في نظرة الميتافيزيقا إلى الإنسان ، وكرّست ثنائيته كحيوان وككائن عاقل .
وصحيح أيضا أنّ نيتشه ينتقد بشدة النزوع العقلاني المتطرف للذات الذي يتخد صورة المثل الأعلى الزهدي l’idéal ascétique ، ويجعلها أكثر ارتباطا بواقعها الفعلي ؛ إلا أنّ هذا النقد ظل بدوره سجينا للقسمة الأفلاطونية ، وظل يفكر من داخل ثنائياتها : كثنائية الفوق والتحت ، أو المعقول والمحسوس . يقول هيدغر : " إنّ النتيجة المترتبة عن القلب النيتشوي للأفلاطونية ، تتمثّل في كون أنّ أشياء العالم المحسوس تصبح هي عالم الحق ، ويصير عالم ما فوق الحس في مجمله عالما وهميا " [14].
عدم قدرة نيتشه على تجاوز الميتافيزيقا ، يربطها هيدغر بهيمنة مفهوم القيمة على فلسفته . وهو مفهوم شكّل عائقا وحال دون استعادة الوجود الضائع والمنسي ؛ وذلك لأنه يتخذ من الإنسان مركزا للكون ، ومقياسا لقيمة العالم والأشياء ؛ وذلك من خلال ما يتمتع به من قدرة على وضع بناء شامخ من القيم ، يشكّل بموجبه منظورا ، و يحدد من خلاله صورة العالم . وهذا ما جعل فلسفته تتحول إلى أنتروبولوجيا ، ونزعة إنسانية ميتافيزيقية . بعد هذا كله يتساءل هيدغر عن الفرق الموجود بين إنسان نيتشه (الإنسان الأرقى) الذي هو مقياس كل حقيقة وكل معنى ، وبين الكوجيطو الديكارتي الذي يتخد من الذات المفكرة مقياسا للحقيقة ، وأساسا لليقين .
إن مفهوم القيمة هو ما جعل الذاتية تبلغ في فلسفة نيتشه أوجها وتمامها ، بعد أن استنفدت – عقب المشروع الهيجلي – كل إمكاناتها . فإذا كانت الميتافيزيقا قد بلغت مع هيجل أقصى مداها حين أرجعت أساس الحقيقة إلى العقل الكلّي ، وإلى الذات المطلقة ؛ فإنها مع " ميتافيزيقا إرادة القوة" قد بلغت نهايتها ، حين انقلب الأساس من العقل أو الذات أو الروح ، إلى الطبيعة ، ممثّلة في الجسد وأهوائه وقوى غرائزه ، أو إرادة القوة بما هي قيمة القيم . وهذا ما جعل الميتافيزيقا تستنفد ماهيتها وإمكاناتها مع فلسفة الذاتية المطلقة (الهيجلية) ، ومع ميتافيزيقا إرادة القوة . وهذا ما جعلها تعيش نهايتها ليس بناء على قرار هيجلي أو نيتشوي ، بل بناء على قرار تاريخي ، " ذلك لأن الفكر الذي يفكر في حقيقة الوجود ، مرغم على أن يتجاوز الميتافيزيقا " [15] .
كان هذا مجمل تأويل هيدغر لفلسفة نيتشه بصفة عامة ، ولمفهوم القيمة لديه بصفة خاصة من حيث هو المفهوم المحوري في فلسفته . ولقد توخينا تفصيل القول شيئا ما في ذلك التأويل ، وذلك لاعتبارين أساسيين : أولهما نظرا لكونه يشكّل بدون منازع أهم ما كتب إلى حد الآن حول نظرية القيمة عند نيتشه ، من حيث هو الخيط الناظم لفلسفته . وثانيهما نظرا لما للتأويل الهيدغري لفلسفة نيتشه من سلطة وتأثير على كل قراءة ممكنة لنيتشه ؛ بحيث نستطيع أن نؤكد بأن أية محاولة تروم خلخلة علاقة نيتشه بالميتافيزيقا ، إلا ويجب أن تبتدئ بوضع موضع تساؤل جذري الصورة الملتبسة لنيتشه في القراءة الهيدغرية. وهذا ما سنحاول القيام به .
2. مضمرات القراءة الهيدغرية وهواجسها :
إن ما يثير الإنتباه في البداية ، بالنسبة للمتفحّص للعلاقة التي أقامها هيدغر بالمتن النيتشوي، هي النصوص الغزيرة والكثيفة التي خصصها له ، والتي استغرقت ما يناهز العقدين : من سنة 1936 إلى سنة1955 . تنضاف إلى هذه النصوص سلسلة من المحاضرات والدروس الجامعية حول فلسفة نيتشه ، بالإضافة إلى محاولات أخرى وشذرات ، أغلبها لم ينشر إلا بعد وفاة هيدغر . فلم يسبق في تاريخ الفلسفة – في حدود علمي – أن خصص فيلسوف كبير في مستوى هيدغر ، قراءة طويلة النفس ، مفصّلة وعنيدة في دقتها ، لمفكر وفيلسوف آخر لا يقلّ قيمة عن هيدغر. ويظل السؤال الذي يطرح ذاته بهذا الصدد ، يتعلق بسرّ هذا الاهتمام الذي لا يخلو من مبالغة ، ولماذا كل هذا التفكيك لنصوص نيتشه ؟ .
يبدو أن الهاجس الأول والذي يعلن عنه هيدغر صراحة ، يتمثّل في كون أنّ فلسفة نيتشه تشكّل قمّة الميتافيزيقا الغربية وخاتمتها . إنه يمثّل على حدّ تعبيره ، " آخر الفلاسفة " ، حتى وإن كانت هذه العبارة هي في أصلها نيتشوية . بل إنّه يشكّل المرحلة ما قبل الأخيرة، لاكتمال أكثر اتساعا وخطورة. يتعلق الأمر باجتياح منظم ومخطط له ، لقوى بربرية عدمية ، محايثة لعصر التقنية : فشمولية الدولة ، وعملية إضفاء الطابع القطيعي على الإنسان ، وشغف العلم اللامحدود بالسلطة ، وما ينجم عن ذلك من تخريب وتدمير للتوازن الإيكولوجي للبيئة .. إلخ ؛ كل هذا تتم إدارته وتوجيهه من قبل إرادة قوة هي في عمقها عقلانية وحسابية [16] .
وهذا يعني بأن هاجس القراءة الهيدغرية لنيتشه ، يرجع إلى كون فلسفة هذا الأخير قد تحققت على أرض الواقع ، وصارت فلسفة للإرادة التقنية ، وتجسيدا لقدراتها الشمولية [17].
لكن هذا المبرر المعلن عنه من قبل هيدغر ، يتلاءم مع مبررين آخرين مضمرين من قبله . أحدهما له حمولة سياسية ، يتمثّل مضمونها في كون السجال مع نيتشه يشكّل – بالنسبة لهيدغر- نوعا من المقاومة الذاتية ، وصراعا موجّها في عمقه ضد إيديولوجية القومية الاشتراكية (أي النازية) ، وضد استحواذها واستغلالها البشع لفلسفة نيتشه . ولقد أشار هيدغر إلى هذا في رسالة له إلى جامعة فريبورغ سنة 1945 ؛ حيث أعرب فيها عن الدافع الأساسي لاهتمامه بنيتشه ، والذي يلخّصه في ضرورة المقاومة وإدانة التأويل النازي للنيتشوية [18]. بل إن هيدغر يعتبر بأن فلسفة نيتشه مفتاحا لفهم الإيديلوجية النازية ذاتها ، لأنه بدون تأويل العدمية تأويلا شاملا يظهر علاقتها بالتقنية ونسيان الوجود ، فإنها – أي النازية – ستظل بمنآى عن الفهم .
لكن المبرر الأكثر إضمارا – وربما أكثرها مصداقية وتفسيرا - لاهتمام هيدغر بنيتشه ، يرجع إلى القرابة القديمة ، وإلى التعاطف والانخراط العميق في الفلسفة النيتشوية خلال مرحلة هيدغر الطلابية ، وأثناء قراءته لمؤلف "إرادة القوة" ، ما بين سنة 1910 و1914 . فكأن هيدغر قد عثر في قراءته لنيتشه عن الفيلسوف/ المقياس ، والذي لا يعدّ المفكر فيلسوفا حقا إلا إذا استطاع أن يكون ندّا وخصما عنيدا له ، عملا بذلك بحكمة نيتشه والتزاما بأحد قواعد سجاله الحربي [19].
صحيح أن هيدغر يقتسم مع نيتشه عدة أفكار ، وخاصة فكرته عن "موت الله" ، أي فكرة المحايثة الجذرية بما في شرط أوّلي لكل مسعى فلسفي أصيل ؛ هذا بالرغم من أنّ "الإلهي" في فلسفتهما ، لا يختفي بصفة نهائية ، بل يخضع لتحوّل وتناسخ ، يجعله يفلت من قبضة المؤسسة الدينية ( الكنيسة) .
وصحيح أيضا أنّ هيدغر يقدّر بشكل عال عودة نيتشه التجديدية إلى الفكر الفلسفي الماقبل – سقراط ؛ كما يثمّن لا أفلاطونيته الصارمة ، حتى وإن كان يعتبر –كما أوضحنا ذلك- بأنّ قلبه للأفلاطونية ظل سجينا لثنائيته الميتافيزيقية .
لكن يجب أن نسجّل بأن هذه الأطروحة المسرفة في إعلانها انتماء نيتشه الصريح للميتافيزيقا ، لم يدافع عنها هيدغر إلا في مرحلة وسطى ما بين سنة1940 وسنة 1946 ؛ وبالضبط في الجزء الثاني من مؤلفه حول نيتشه ، وفي الفصل الخامس . الشيء الذي يعني أنّ موقفه سيطرأ عليه تغيير وتحوّل . نلحظ ذلك في المرحلة المبكّرة من علاقة هيدغر بنيتشه ، وبالضبط خلال الجزء الأول من مؤلفه "نيتشه" ما بين سنه 1936 وسنة 1937 ؛ وكذا في المرحلة المتأخرة جدا ، وخاصة في مؤلفه" ? Qu’appelle t-on penser " [20] ،
ما بين سنة 1951 وسنة 1952 . فخلال هاتين المرحلتين نجد دفاعا عن نيتشه ، وتسويغا لمفاهيمه وموضوعاته[21]. ففي المرحلة الأولى كان موقفه يتسم بالحذر والتحفظ اتجاه إمكانية اختزال تفكير نيتشه إلى الميتافيزيقا ، حيث يؤوّل قلبه لتراتبية المحسوس واللامحسوس ، بأنه ليس مجرد تكرار للترسيمة الأفلاطونية ، بل يمثّل بحق – في نظره- طفرة نوعية ، لأنه قلب جذري للموقف الميتافيزيقي وخروج عليه ، حتى وإن كان الجنون – كما لاحظ ذلك هيدغر – لم يمهل نيتشه الوقت الكافي لإتمام مجاوزته للميتافيزيقا [22].
نفس الموقف يعبّر عنه هيدغر في المرحلة المتأخرة من تفكيره ، حيث يؤكد بأنّ "الإنسان الأرقى" – وهو أحد المفاهيم المحورية في فلسفة نيتشه – ليس موظفا للتقنية أو للإرادة المخططة لها ، ولكنه على العكس من ذلك تماما ، يجسّد نموذجا بشريا متحررا من الخضوع للآلة التكنوقراطية . وما ذلك إلا لأن الفيلسوف/ الفنان ، - وهو يجسّد في فلسفة نيتشه فيلسوف المستقبل – على النمط النيتشوي لا يمكن أن يكون متضامنا مع الآلة الشمولية للتقنية .
وهكذا فإن أخذنا القراءة الهيدغرية لنيتشه وجردناها من عامل الزمن والتاريخ ، تبدو لنا صادرة عن تأويلين مختلفين بل ومتناقضين لفلسفة نيتشه : فتارة هناك تفعيل للمفاهيم النيتشوية وتعميق لها ، يصل أحيانا إلى حد الدفاع الصريح عنها؛ وتارة يقرأها بعنف مطرقة نقده ، فيختزلها ويلقي بها في ماضي الميتافيزيقا . ويمكن أن نسوق مثالا لهذه الإزدواجية في القراءة ، بتأويله لمفهوم "إرادة القوة" .
ففي مرحلة أولى يؤوّله كشعور بتجاوز الذات وانفتاح على ما هو مغاير لها ، وذلك بواسطة الفرح التوكيدي والثمالة الخلاقة المبدعة ؛ حيث يرمز إلى العبور من حالة أدنى إلى حالة أرقى تؤدي إلى الارتقاء بالذات عن طريق التوكيد الكامل لها ، وذلك عبر التجاوز اذاتي والشعور بالقدرة على الإنكسار من أجل الإبداع. وهذا التأويل ينسجم مع قصائد زرادشت التي تقول : " ما هو عظيم في الإنسان أنه جسر لا غاية ، وما يمكن أن نحبه في الإنسان هو أنه تجاوز وفي الوقت ذاته أفول " ، " أحب اولئك الذين لا يعرفون إلا وهم يميلون إلى المغيب ، ذلك لأنهم المتجاوزون " [23].
بيد أنه في المرحلة الثانية من التأويل الهيدغري لنيتشه ، سيتم تغييب هذا البعد التوكيدي والتجاوزي لإرادة القوة لصالح مظهر آخر ، هو المظهر التسلطي/التكنوقراطي . فإرادة القوة هي إرادة حسابية لا يهمها سوى الحفاظ على قوتها والسعي إلى الزيادة في درجة هيمنتها وانتشارها . إنها تمثّل الماهية الكونية لسيادة التقنية ، وبالتالي فهي تجسيد " لشهوة السلطة وغريزة الهيمنة " [24]. كما نجد هيدغر يؤوّل من جهة أخرى ، مفهوم إرادة القوة تأويلا يجعله يعبّر عن أوج الذاتية في الميتافيزيقا وهيمنة النزعة الأنتروبولوجية .
3. نقد القراءة الهيدغرية لنيتشه :
إذا كانت القراءة الهيدغرية لا ترى في مسألة القيمة ، وفي هيمنتها على الفلسفة النيتشوية، إلا ترسيخا وتتويجا للمسيرة التاريخية للميتافيزيقا ؛ فإن هذه المسألة ذاتها – من حيث هي منظور جديد للفلسفة ، وقراءة نقدية تأويلية لنصوص وخطابات الفلسفة – هي في نظر كثير من النقاد ، المطرقة التي بواسطتها يخلخل نيتشه أركان الصروح الميتافيزيقية ، ويفكك مقولاتها المركزية ، ويقلب قيمها العليا ، ويفضح افتراضاتها الأخلاقية الغير معلنة.
ويرى كارل لوفيتش – وهو أحد المتأثرين بقوة بفكر هيدغر – بأن خطأ التأويل الهيدغري للفكر النيتشوي ، يتمثّل في كونه يؤوّله بإحالته إلى إشكاليته المتمثّلة في سؤال الكينونة ومقولة نسيان الوجود ؛ بل إنه يذهب في نقده بعيدا حيث يرى بأن هيدغر وليس نيتشه هو الذي لم يستطع إحداث القطيعة مع التقليد الميتافيزيقي[25] ؛ وهو رأي يشاطره فيه بول ريكور[26] .
وحسب فوكو فإنّ إلحاح هيدغر على استخدام مفهوم اللامفكر فيه في قراءته لتاريخ الفلسفة ، هو علامة على التعلق بمعنى أبدي - معنى يغيب ، ولكنّه يشكّل مدار التاريخ ، لأنه لا يفتأ يحضر أثناء تواريه – وعودة مقنّعة إلى فلسفة الكوجيطو ، " ما دام اللامفكر فيه مسكونا على الدوام بنوع من الكوجيطو " . ووعي فوكو بالحلقة الميتافيزيقية التي توقعنا فيها فلسفة هيدغر ، هو الذي جعله يقيم حفريات للخطاب ، ويقرأ هيدغر من خلال نيتشه " لأنه لم يستطع فهمه إلا بواسطة نيتشه وانطلاقا منه وليس العكس " [27].
ويرى "نورمان بالما" بأنّ نيتشه بجعله مفهوم القيمة محورا لفلسفته ، قد أقام إطارا مرجعيا جديدا ، يقع ضمن مستوى نفسي-اجتماعي-تاريخي لا ينتمي إلى الإشكالية الميتافيزيقية بمعناها التقليدي ، ففلسفته كلها موجّهة نحو المستقبل ، وهي على أنقاض الميتافيزيقا تسعى إلى نقل التفكير من المفارقة والتعالي إلى المحايثة [28].
أما صاحبة كتاب "نيتشه والاستعارة" ، فهي تعتبر بأنّ لعبة الاستعارات في فلسفة نيتشه تضعه خارج الميتافيزيقا ، لأنها تؤدي إلى زحزحة المعاني وتحكم عليها بالترحال والانزياح المستمر[29] .
وهكذا وفي مقابل التأويل الهيدغري الذي يعتبر بأن مركزية مفهوم القيمة لدى نيتشه هو الذي جعل فلسفته تندرج ضمن تاريخ الميتافيزيقا ومسألة نسيان الوجود ؛ يؤكد كل من دولوز ، وفاتيمو ، وفوكو ، خلال ندوتهم الأولى حول نيتشه (colloque de Royaumont) ، بأنّ منظور نيتشه للقيمة يجعله يفتتح فلسفة جديدة ، ويؤسس أنطولوجيا تضعه خارج الميتافيزيقا . فدولوز يرى بأنّ مشكلة القيمة مكّنت نيتشه من مضايقة وخنق الحقيقة الميتافيزيقية ، واكتشاف خلف الصدق والكذب لحظة أكثر عمقا[30]. وهو نفس الرأي يتبناه فاتيمو ، حين يؤكد بأنّ منظور القيمة يجعل نيتشه خارج الميتافيزيقا ، ويفلت من قبضتها ، وذلك بفضل ما يترتّب عنه من تصور جديد للفلسفة ؛ لأنّ ما يستهدفه نيتشه من خلال نظريته في القيمة هو السعي لإزالة الأقنعة عن الجذور الغريزية للقيم الأخلاقية ، والدينية ، والفلسفية ، والعلمية للغرب الحديث . ففي إحدى شذرات "فيما وراء الخير والشر" ، يعلن نيتشه بأنه "سيضع الجزء الكبير من التفكير الواعي في عداد الأنشطة الغريزية " ؛ وفي نص إرادة القوة يعرّف الأخلاق باعتبارها حالة خاصة من اللاأخلاقية . وإذا تساءلنا عن عمق الحقيقة التي يرجع إليها نيتشه الأوهام الأخلاقية والمعرفية ، سنجد بأنها الغرائز أو إرادة الحياة بصفة عامة . وأحد أكبر الأوهام التي سعى نيتشه إلى تقويضها هو وهم "الإعتقاد في الحقيقة" . ولهذا لا يتفق فاتيمو مع هيدغر ، حين يعلن بأنّ نيتشه ظل أسيرا للمفهوم الميتافيزيقي للحقيقة ؛ وهو مفهوم يقوم على المطابقة بين القضية والواقعة ، أو بين الفكر والواقع . وذلك لأنّ الحقيقة كمطابقة مستحيلة بالنسبة لنيتشه ، لأنّ الفلسفة عنده لا تقول الحقيقة ، بمعنى أنها لا تخبرنا بشكل موضوعي عن حالة الواقع والأشياء الموجودة . ولهذا يدعو فاتيمو إلى إعادة قراءة نيتشه على ضوء النتائج التي انتهت إليها فلسفة هيدغر في حهودها من أجل تجاوز الميتافيزيقا [31].
وهكذا فالقراءة القيمية للفلسفة ، بقدر ما تقتضي تعويض مفهوم الحقيقة بمفهوم القيمة ، بقدر ما تجعل من الفلسفة بما هي ميتافيزيقا ، عبارة عن حكم مسبق أو اعتقاد un préjugé ou une croyance . لأن إرادة الحقيقة لا توجد في استقلال عن الحياة التي تضعها ، وكما يقول نيتشد : " الحقيقة هي الضرب من الخطأ الذي لا يمكن للكائنات الحية أن تحيا بدونه . فالمحدد في نهاية الأمر هو قيمة تلك الحقيقة بالنسبة إلى الحياة " [32].
وعندما تصبح الحياة – على غرار المكانة التي كانت للحقيقة في تاريخ الفلسفة - هي القيمة الرئيسية والمعيار المحدد للحقيقة ، فإنّ هذه الأخيرة ستفقد دلالتها الميتافيزيقية وأساسها الأخلاقي لتتحوّل إللا منظور ووظيفة يمكن لأية فكرة أخرى أن تحققها حتى ولوكانت وهما أو خطأ ، شريطة أن تكون مفيدة ونافعة لنمو الحياة وانفتاحها . يقول نيتشه : " أن يكون حكم ما خاطئا ، فإنّ ذلك لا يشكّل في نظرنا اعتراضا على ذلك الحكم ، ربما هذا واحد من أغرب أشيائنا المؤكدة في لغتنا الجديدة . فالمسألة تنحصر في معرفة مدى صلاحية هذا الحكم في ترقية الحياة ورعايتها ، وحفظ النوع ، بل وتحسينه (…) فالإقرار بأن اللاحقيقي هو شرط الحياة ، يعني بالتأكيد أن نقاوم بخطورة الإحساس الذي اعتدناه إزاء القيم ؛ وفلسفة تسمح لنفسها بهذه الجرأة تضع نفسها مسبقا ، فيما وراء الخير والشر " [33] .
ولن نكون مبالغين إذا قلنا بأن جدّة الجنيالوجيا تتمثّل أساسا في محاولة تأسيس داخل الفلسفة لمنهج جديد في مقارية النصوص والخطابات ، يمكن الإصطلاح عليه بالقراءة القيمية/الأخلافية للفلسفة . على أن تفهم الأخلاق هنا بمعنى أوسع وأشمل ، يجعلها تنطوي في داخلها على عدة مجالات قد تبدو بعيدة عنها ، بما فيها تلك التي تنتمي إلى المجال النظري والعلمي كالفلسفة والعلم واللغة [34] . يقول نيتشه : " لقد اكتشفت شيئا فشيئا أن كل فلسفة عظيمة كانت حتى يومنا هذا اعترافا لمؤلفها ، وأنها تشكّل مذكراته – شاء ذلك أم أباه – وعرفت كذلك أن المقاصد الأخلاقية تشكّل في كل فلسفة ، البذرة الحقيقية التي تنبت النبات بكامله (…) وإذا أردنا أن نفسّر ميلاد الإثباتات الميتافيزيقية لهذا الفيلسوف أو ذاك ، فمن الأفضل والمعقول أن نتساءل نحو أي نوع من الأخلاق ستقودنا إليها تلك الإثباتات ؟ " [35] . والجواب الذي يقدمه نيتشه عن هذا السؤال يتمثّل في القول بأن جميع الفلسفات قد شيدت صرحها تحت إعجاب الأخلاق ، سواء تعلق الأمر بفلسفة كانط ، أو هيجل ، أو شوبنهاور ، أم بغيرهم . وحتى إن كان يظهر أن مقصد هؤلاء جميعا هو اليقين ، وأن مرماهم هو الحقيقة ؛ لكن سعيهم في الواقع كان ينصب على الصرح الأخلاقي السامي .
ذات المنظور يتحكم في نقد نيتشه للميتافيزيقا ، والعقل ، والمنطق ومقولاته الأساسية.فالعالم الميتافيزيقي قد بني على أساس الإيمان والاعتقاد بوجود حقائق عقلية مجردة وخالصة ، تتخذ كدعائم للوصول إلى ذلك العالم ؛ وأصل ذلك الاعتقاد وأساسه أخلاقي ، وهو ما يدعوه نيتشه بالمثل الأعلى الزهدي [36] . فبالإضافة إلى أنّ الميتافيزيقا تلخّص في نظره ، كل ما خلّفه ماضي العقل البشري من أخطاء – حيث هي" العلم الذي يبحث في الأخطاء الأساسية للإنسان ، كما لو كانت هي الحقائق الأساسية " [37] ؛ وهي أيضا وريثة للأخلاق الدينية ، ومصاحبة لها ، ومؤيدة لنتائجها ؛ إذ تؤدي إلى خلق عالم آخر مستقل عن عالمنا الأرضي ، وتضفي عليه أبهى صورة أخلاقية، من حيث هو رمز للخير والحق والكمال . وهذا الطابع الأخلاقي الذي تضفيه الميتافيزيقا على الوجود ، تهدف من ورائه – على غرار اللاهوت – إلى سلخ الإنسان من عالمه الأرضي وربطه بعالم آخر ؛ وهي إذ تفعل ذلك بكيفية أدق ، وأكثر منطقية وإقناعا من اللاهوت ، فلكي تجعل الإنسان عاجزا عن مقاومة " إغراء الالتجاء إلى مثل ذلك العالم ، وإغراق يأسه وعجزه فيه " . فالميتافيزيقا تدّعي السمو بالإنسان ، مع أنها في الواقع تبعده عن واقعه الحي ، وترسم له مثلا عليا خيالية ، ويظل هو حائرا بين هذه المثل البعيدة، وبين الواقع الفعلي الذي لا يلمس لها أثر فيه . وتتولد من حيرته هاته شتى أنواع الانحرافات .
هكذا تقتضي منا القراءة القيمية لفهم الفلسفة ، أن نهجر الأنطولوجيا ( الميتافيزيقا) باتجاه التيبولوجيا ، فتبدو لنا كسياق حياتي تحاول فيه أنواع من القيم أن تؤكد ذاتها . يقول صاحب مؤلف "فلسفة نيتشه" : " كل الفلسفات في نظر نيتشه ، ترجع المشكلات الوجودية إلى مشكلات قيمية ، فيتحراها جميعها ليكتشف فيها التقويمات غير المفضوحة التي تشكّل عصبها ، ويرى غريزة الحياة ناشطة في سائر نواحي الفلسفة " [38] .
هكذا ففي كل فلسفة يوجد قرار أخلاقي لاواعي من قبل الفيلسوف ، وهو عبارة عن حكم أخلاقي مسبق ؛ والقرار الأخلاقي الذي يكمن وراء الفلسفة الميتافيزيقية ، يتمثّل في محاولتها الهروب من الصيرورة ، باتجاه تثمين الوضع المتميز بالثبات والسكون والاستمرارية ، أو باتجاه الهروب من الحياة نحو عالم آخر غيبي ، يقدّم على أنه العالم الحقيقي والمعقول . ونيتشه إذ يقف في وجه الحياة المضاعة ، ويعود ليبلغ الابتداع المنسي الذي ترتكز عليه جميع منظومات القيم ؛ فإنما يشاهد الحياة ذاتها ، وتبدو له بمثابة "إرادة قوة تطوّق بفعل العود الأبدي دائرة الزمان . أليست القيم جميعها مجرد أشكال تجرّب فيها الحياة قدراتها إلى حين ؟ " [39] .

  والله يوفق الجميع
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
hibatallah
نجم في المنتدى
نجم في المنتدى


عدد المساهمات : 349
تاريخ التسجيل : 13/10/2012

مُساهمةموضوع: رد: فلسفة نيتشة" العدمية كإنحطاط والعدمية كأفق"   السبت أكتوبر 29, 2016 11:40 am

السلام عليكم
 تحية طيبة للجميع هذه تكملة لما تقدم من هذه القراءة  النقدية للفلسفة الغربية

عندما نتكلم عن فكر نيتشة ونقدية هيدغر  كما قدّمنا البعض من النقاط أو الموضوعات المتناقضة بينهما، بين الهدم والبناء، وبين الدفن والتأسيس....
وبين المعنى والفهم
فإن القراءة والبحث ستطول إلى سياقات تاريخية أخرى حركت فكر حفيظة هيدغر  وإعتباطية نيتش .
إذن ماحرّك هيدغر هو الأزمة ؛ أزمة فكر داخل المصون التراثي الذي لابد له
من مخلص (بخلاف أفكار نيتشة العادمة) أو بمعنى أدق طبيب ومشخص لجسد وكينونة الإنسان الغربي، الذي إنساق وإنشغل وراء متاهة الحياة، للعلم، للقوة، للهيمنة... وهناك نصوص نائمة غطّاها النسيان أن لابد لها من بعث جديد،ونفض الغبار وإستعادة فتحها ...فالعالم متحرك ومتغير ... والروح الغربية تشردت بعد
تاج الملك الذي كانت تملكه ،وتسيطر عليه منذ ركح من القرون الغابرة بكل أطوارها الفكرية بل والسياسية في تاريخ اوربا.
يجب أن تدق أجراس الكنائس داخل النص اللاهوتي...
لابد من تشريح مشكلة المفاهيم ومصدرها اللغوي...
أين رحلت الروح الأوروبية اليوم؟....
ماذا عن رجال اللاهوت ومقولاتهم وموقفهم من الكهنوت المسيحي؟
ماذا عن الفلسفة والفكر المبجل والمقدّس ؟....
والمعرفة والحقيقة والفكر السؤول؟....
ما موقف الفلاسفة المعاصرين من الفلسفة اليوم؟....
مابعد الحداثة وموقف الفيلسوف؟....
هذه بعض الأسئلة والمواقف التي لابد من رصدها لتبيان أجزاء أخرى عن هذه
الجدلية في رمّة الفلسفة الغربية المعاصرة.
لدى سيكون البحث متواصلا لإثراء بعض الجوانب النقدية من بعض الفلاسفة
المعاصرين من خلال الكتب التي رصدت بعض الأفكار منها:
ـ عبد السلام بنعبد العالي: هيدغر ضد هيجل
ـ ريتشارد روتي : الفلسفة ومرآة الطبيعة
ـ حميد زناز المعنى والغضب ، مدخل لفلسفة سيوران
ـ  اسماعيل مهنانة: الوجود والحداثة

والله يوفق لتقديم الافضل
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
 
فلسفة نيتشة" العدمية كإنحطاط والعدمية كأفق"
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
منتدى طلاب جامعة ورقلة :: منتديات العلوم الانسانية و الاجتماعية :: منتدى الفلسفة-
انتقل الى: